شعار قسم مدونات

كسر الصنم.. السعودية والمركزية المتوهّمة

مدونات - مفتي السعودية عبد العزيز آل الشيخ محمد بن سلمان

أنا أعمى فكيف أهدي إلى المنهج.. والناس كلهم عميانُ

والعصا للضرير خيرٌ.. من القائد فيه الفجورُ والعِصيانُ

شيخ المعرّة

 

العالم السني مأزوم، مأزوم جدًا، ومن أزمته غياب القيادة الرشيدة والمرجعية الشرعية المعتبرة.  ظل الناس دهرًا -بما فيهم الإسلاميون- يعولون على الدور السعودي في قيادة العالم الإسلامي ويرونها مناسبةً لدور القائد؛ لسببين اثنين: اشتمالها على الحرمين الشريفين اللذين تتوق إليهما أفئدة المسلمين، والقدرة المالية الضخمة؛ بسبب أنهار الذهب الأسود الذي يجري من تحتها.

 

اتفق للمملكة هذان العاملان اتفاقًا فجعلاها معقد الآمال بالعاطفة الدينية والنظر الاستراتيجي. وحين نعبر بـ"الاتفاق" فنحن نقصده حرفيًا، فالميزتان اللتان جعلتا من المملكة مرشحًا لقيادة العالم السني كانتا قدرًا محضًا لم تكتسبه حكومة من حكوماتها بسياستها وحسن تدبيرها لأمور المسلمين. فمنذ تأسست المملكة وهي منشغلة بشأنها الداخلي والمحافظة على العرش ولا تصدر سياساتها الخارجية إلا كردة فعل؛ حصل ذلك مع فيصل بن عبد العزيز في سياسته الخارجية "الإسلامية" لصد التمدد القومي الذي قاده جمال عبد الناصر في مصر، وكذلك تفاعل فهد بن عبد العزيز في حرب الخليج واستقدام الأميركان، وكذا تفاعل عبد الله بن عبد العزيز في مواجهته لموجة تحرر الشعوب في الربيع العربي ودعم الثورات المضادة وصولًا إلى حرب اليمن للحد من التمدد الإيراني الذي وصل إلى الحد الجنوبي للبلاد.

 

سار تيار السلفية المريحة بالسعودية مع السياسي سير الخادم مع سيده يذلل له طريقه ويؤول له الشريعة ويخدمه في كافة شؤونه
سار تيار السلفية المريحة بالسعودية مع السياسي سير الخادم مع سيده يذلل له طريقه ويؤول له الشريعة ويخدمه في كافة شؤونه
 

رافق صعود هذه الدولة صعودًا للتيار السلفي الذي ترعاه ويعد رافدًا رئيسًا تستمد منه شرعيتها. وقد حرصت على انتشار نوع معين من السلفية وهي "السلفية المريحة للحكام" وقامت بدعم هذا التوجه حتى بلغت ما يبلغه الليل والنهار، وانطلاقا في أعماق أفريقيا وفي أطراف أوزباكستان وفي أدغال أندونيسيا، هناك سوف تجد دائما من يحدثك عن السمع والطاعة لولي الأمر وخطر الإخوان والحزبية وهو لم يرَ في حياته حزبًا إسلاميًا في يقظة ولا منام، ولكنها قوة الريال التي انتهت بهذا المذهب إلى المدى الذي انتهت إليه براميل النفط.

 

تماهى المذهب الشرعي الرسمي مع السياسي مع طول الصحبة حتى صار تابعًا بعد أن كان الاتفاق بينهما اتفاقًا نديَّا (بين محمد بن سعود ومحمد بن عبد الوهاب)، وكانت هذه التبعية حتميّة بحكم ميزان القوى الراجح دائمًا في جهة السياسي. وصار الديني يواكب كل تحركات السياسي ويُوجد لها تبريرات شرعية يجني فيها على الشريعة الإسلامية أكبر جناية.

 

وإذا أردنا أن نبرهن لك على هذا الجو الرديء ضربنا لك أمثلة بنخبته التي نشأت فيه وصارت لها أفهاما معكوسة وتصورات فاسدة وصار الدين بكل عظمته حالًّا في هذا الكيان السياسي، وصارت الرغبة في إصلاحه أو تغييره حربًا على الدين في تلك العقول الكليلة.

 

لقد نشأت هذه النخبة في جو تديّنٍ مسموم لا يأمن فيه العالم الحر من قول رأيه الشرعي من دون أن تزوره سيارة الأمن وتأخذه إلى دار الأحرار في ذلك السجن الكبير. وتبقى النسخة الشرعية الوحيدة هي تلك الممهورة بتوقيع السياسي، في ظل هذا الواقع الرديء تكونت عقليات كثير من النخبة السعودية بشتى أطيافها فكانت لونًا شاذًا لا يشبهها شيء في الوطن العربي، ومنحتهم الأقدار فرصة أن يكون لهم صوتًا مسموعًا للمكانة التي تحتلها بلادهم للأسباب المتقدمة.

 

سار تيار السلفية المريحة مع السياسي سير الخادم مع سيده يذلل له طريقه ويؤول له الشريعة ويخدمه في كافة شؤونه لعقود من الزمن ولم يكن ينغّص عليه شيءُ طيبَ العبودية والانفراد بشرف الخدمة إلا خادمٌ ثانٍ يُسمى "ليبرال" ينافسه في خدمة السيّد، وكان ليبرال خادمًا ظريفًا تعجبه مبادئ الحرية والمساواة ولكنه لا يأخذ منها إلا مقدار ما يكايد به غريمه السلفي فحسب، ويتقي تعكير مزاج السيد فاتفق له من هذا التلفيق مذهب طريف يقوم على المتناقضات.

 

الاستاذ أحمد الريسوني  (مواقع التواصل)
الاستاذ أحمد الريسوني  (مواقع التواصل)

كتب الأستاذ الريسوني مقالًا بعنوان: "الإسلام السعودي من الازدهار إلى الانحدار" وصّف فيها أسباب انتشاره ومظان انحداره وتلاشيه. ولسنا ننشغل بالدفاع عن كلام الأستاذ فالرجل يغرف من الواقع والمعايشة لا من عالم الأفكار التي قد يتسع فيها مجال النقد والاختلاف. كتب الريسوني المقال والداخل السعودي يتململ من هذا اللون من السلفية والانخناق الاقتصادي والتسلط على حريات الناس.

 

كتب بعض الكتاب من الشرعيين والإعلاميين السعوديين مقالات ترد على مقال الريسوني وكان السكوت أولى بهم، فمنذ فترة وأصحاب المروءات في العالم العربي يتجنبون الجدل مع هذه النخبة تقديرًا لوضعها البائس وحال الإكراه التي يعيشونها والاستضعاف الذي يخضعون له، فليس من المروءة مناظرة المغلوب على أمره، لكن يأبى بعض الحكوميين بجرءتهم في الرد وللمركزيّة المتوهمة التي يتصورونها لأنفسهم أن يُسكت عنهم.

 

صَفحْنا عَنْ بَنِي ذُهْلٍ ** وَقُلْنا الْقَوْمُ إخْوَانُ

عَسَى الأَيَّامُ أنْ يَرْجعْنَ ** قَوْمًا كَالَّذِي كَانُوا

فلَمَّا صَرَّحَ الشَّر ** فَأَمْسَى وَهْوَ عُرْيانُ

ولَمْ يَبَقَ سِوَى العُدْوَانِ ** دِنَّاهُمْ كَمَا دَانُوا

 

*إخوانُ ليس المقصود بها التنظيم هنا.

 

وسأتناول هنا مقالين لأحد الشرعيين والإعلاميين المشهورين لنضرب بهما مثالًا على مستوى الضياع التي تعيشه النخبة السعودية وتبعية الديني للسياسي بطريقة فجّة ومكشوفة. كان أبو حيان التوحيدي رحمه الله قد ذكر مرةً أن منشأ الشرور يكون من عدة عوامل منها الحمقُ والرقاعة، ونحن مهتمون بالثانية، فالرقاعة وصف دقيق لحالة الكتّاب الحكوميين، ومعنى الرقاعة -وقاك الله شرها- تعاقل الأحمق، فمتى مزّق الحمق عقل المرء وأراد أن يستره بنوع من التعقل في تصرفاته انكشفت حماقته بصورة جديدة وضع العرب لها لفظ الرقاعة. واستمراء الذل والعبودية مُذهب لعقل المرء مهما كان عقله.

 

وهم المركزية السعودية وتبني منهجها لن يزيد المؤمنين بها إلا خبالا، ولن يساهم إلا في تأخير عجلة التحرير
وهم المركزية السعودية وتبني منهجها لن يزيد المؤمنين بها إلا خبالا، ولن يساهم إلا في تأخير عجلة التحرير
 

كتب محمد السعيدي مقالًا يرد به على الريسوني نضع لك رابطه لتطلع عليه ونعلق عليه بعض التعليق. ابتدأ الكاتب مقاله بتبديعه عنوان مقال الريسوني وأنه مخالفُ للكتاب والسنة! فقلنا الحمد لله الذي سخر لحكومات الاستبداد محامين بهذا النبوغ والرسوخ العلمي! ثم اتهم الريسوني بالحزبية وركوب الموجه السياسية وكأن الكاتب ليس غارقًا في بحر الحكومة والمحاماة عنها في كل صغيرة وكبيرة وبرامجه ومقالاته شاهدة بذلك.

 

وراح الكاتب ينسب للسلفية ولسياسة الحكومة الخارجية كل مجدٍ ويتزيّن بكل ما قدمه المصلحون في بلادهم ويضيفه إلى الدعوة السلفية، ولا يكتفي بذلك حتى جعل نموذج المملكة الباعث الذي أحيا في قلوب الناس "استعادة الأمة لأمجادها" فقل لي بربك يا حضرة الدكتور من الذي تآمر على الشعوب التي خرجت لتكسر قيد العبودية والاستبداد واختارت الإسلاميين ليقودوها، وموّل ودعم قتلتهم دعم من لا يخشى الفقر؟!

 

أهذه السلفية التي هي "الدين الصحيح كما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم وكما فهمه السلف الصالح"؟! أفي سلفيتكم النقية يكون إيواء المحدثين الذين لفظتهم شعوبهم وكانوا يحاربون فيهم الإسلام ويمنعون مساجد الله أن تُعمر ويذكر فيها اسمه؟! أفي دينكم الصحيح وعقيدتكم التوحيدية يمنع الناس من خيرات أرضهم ويستبد بمالهم حكّامهم ويعتقل كل من تكلّم أو أسرّ كلامًا ظلمًا وعدوانا، بخٍ بخ لهذه السفلية!

 

التعذيب والظلم الصريح لم يقف عليه السعيدي وهو يزور السجون السعودية، فليعلم أن الظلم والتعذيب لا يُدخل إليه من باب كبار الزوار ومشايخ الداخلية، وإنما من الباب الخلفي الذي يعرف طريقه المصلحون
التعذيب والظلم الصريح لم يقف عليه السعيدي وهو يزور السجون السعودية، فليعلم أن الظلم والتعذيب لا يُدخل إليه من باب كبار الزوار ومشايخ الداخلية، وإنما من الباب الخلفي الذي يعرف طريقه المصلحون
 

عدِّ عن ذا، وتعال بنا إلى حديث المعتقلات والسجون التي ينكر السعيدي وجود التعذيب فيها ويزعم أنه لا يقر عالم منهم أو طالب علمٍ فيهم الاعتقالات التعسفية. فما بال الاعتقالات الأخيرة التي لم يعرف أحد جريمة المعتقلين فيها؟ وليأتني بعالم واحد أو طالب علم مرضي العقيدة صحيح الدين أنكر سجن العلماء والمصلحين ممن لم ينطقوا بشيء ولم يُعرف لهم ذنب غير مزاج الوالي! عجبي من هؤلاء الشرعيين التي لا تثور حميتهم إلا على الحكوميين من أمثالهم، فقد حُمَّ رأس السعيدي وهو يرى ثورة الناس وسخطهم على عبد الرحمن السديس وهو يدعو لترمب وأمريكا بقيادة الإنسانية إلى مرافئ السلام فكتب مقالًا يقطر جهالةً وتدليسًا في الدفاع عن رفيق النضال الحكومي، فدونكم المقال وقد غدا الدين لفرط يسره قد احتوى مسيلمة.

 

أما التعذيب والظلم الصريح الذي لم يقف عليه السعيدي وهو يزور السجون ويعظ فيها، فليعلم أن الظلم والتعذيب لا يُدخل إليه من باب كبار الزوار ومشايخ الداخلية، وإنما من الباب الخلفي الذي يعرف طريقه المصلحون أمثال الشيخ سليمان الرشودي وأستاذنا عبد الله الحامد، ونرويها عنهم بالسند العالي المتصل وعن غيرهم من المعتقلين ممن ذاقوا جحيم السجون السياسية.

 

خبيرٌ بني لِهبٍ فلا تك ملغيًا** مقالة لهبيٍ إذا الطيرٌ مرّت

 

لم يزل السعيدي ورفاقه يعرضون السلفية المريحة بكل صفاقة وجرءة كمخرج من هذه الأزمة وكأن للسلفية الحكومية مجدًا وميراثًا في الإصلاح، ألا يكفي أن يروا خيبتهم المحلية وينشغلوا بعلاجها قبل أن يروجوا لها ويستبسلوا في الدفاع عنها!

أما الكاتب الثاني فالإعلامي السعودي عبد العزيز قاسم والذي ليس له من مؤهلات الإعلامي إلا القِدَم! كتب قاسم مقالًا بعنوان "الريسوني أي تاريخٍ أضعت" وليس في مقاله شيء جديد، فقط العتاب البارد، فكيف للريسوني أن يكون حرًا وينتقد دولةً عاش فيها لست سنوات إن الحكوميين عندنا لا يفهمون هذا المنطق، فالدولة التي تعيش فيها وتكسب منها رزقًا لا بد أن تكون مخلصًا لها إلى أبد الآبدين ولتنحي المبادئ جانبًا فأقوى مبدأ هو مبدأ الرزق! وحسبكم من إعلامي مثقف بعثته الداخلية للسجون فخرج يحسد المساجين على عيشتهم ويقول "يعيشون حياة خمس نجوم!" لا شك أنه دخل من الباب الذي دخل منه السعيدي.

 

حان للشعوب السنية الحرة أن تنفض أيديها من سلفية النفط وحكومتها وترسم لنفسها طريقًا بعيدًا عن المركزية المتوهمة، وتتخذ لنفسها طريقًا واضحةً بعيدًا عن سياسة الأهواء، وعلماء البلاط

 يرى قاسم أن الربيع العربي -الذي تسلقه مع المتسلقين وقت إقباله وصعوده وسبح بحمده على شاشة فور شباب- كان مؤامرة أمريكية مع جماعات إسلامية وبتواطؤ قطري إيراني، ثم يحمد "لمليكه الكبير عبد الله بن عبد العزيز" التدخل لإنقاذ الوطن العربي من كيد تلك "الجماعة الغادرة" والقضاء على الربيع العربي. وقد كفانا الكاتب بعبقريته المعهودة إثبات التهمة، فالشكر له. وإذن فعلى العالم العربي عيش المنهج السعودي سياسةً ودينًا، ولكن الذي لا يدركه هؤلاء الحكوميين أن منهجهم مستحيل على الشعوب، لأن "طراوة الريال" العنصر المفقود، والنفس البشرية لا تحتمل هذه التركيبة إلا مخدّرةً بالرفاه.

 

أحسب أنه قد استبان لك أيها القارئ الكريم بعد اطلاعك على هذه النماذج ومتابعتك للواقع أن وهم المركزية السعودية وتبني منهجها لن يزيد المؤمنين بها إلا خبالا، ولن يساهم إلا في تأخير عجلة التحرير. لم تضر هذه المركزية إلا المؤمنين بها، والطالبين لودّها، فقد كان الإسلاميون حريصين على مقاربتها والتودد منها وطالما جعلوها شقيقةً كبرى، فأوردتهم المهالك، ونموذج الإصلاح اليمني لا يخفى على متابع، بينما لم تضر عدوها المعلن بشيء. وهذا وحده كفيل بأن ييأس أهل السنة من هذه المركزية.

 

لقد حان للشعوب السنية الحرة أن تنفض أيديها من سلفية النفط وحكومتها وترسم لنفسها طريقًا بعيدًا عن المركزية المتوهمة، وتتخذ لنفسها طريقًا واضحةً بعيدًا عن سياسة الأهواء، وعلماء البلاط. ولتعلم أن صنم المركزية وإن كان عظيمًا إلا أن العقيدة في صدور الثوار أكبر منه.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.