خرج علينا الدكتور يوسف زيدان مع مقدّم البرامج المصري عمرو أديب في إحدى القنوات ليحدثنا طويلا عن أهمية القراءة والثقافة في بناء الأمم وتطوّرها. وبغضّ النظر عن كون كلامه عامّا جدّا ويردّده الجميع اليوم، فقد كان كلاما مشجّعا، وكان مثيرا للتفاؤل لأي إنسان أنّ هناك من يحثّ الناس على القراءة والثقافة.. ولكنّ الذي حدث بعد ذلك كان كارثة ثقافية بكل المقاييس!
القراءات التي احتفظت بها الأمة
بعد دقائق معدودة، وعند أول امتحان سقط يوسف زيدان في اختبار القراءة والثقافة الذي كان يدعو الأمة إلى اجتيازه! سقط في هوّة سحيقة من تجهيل القارئ والاستخفاف بعقله حين تحدّث عن علوم القرآن وزعم أنّ الأمة الإسلامية استبْقتْ من بين 3-4 آلاف قراءة مختلفة للقرآن قراءة واحدة فقط، هي قراءة حفص عن عاصم!

وكلامه هذا هو مغالطة علمية فظيعة يعرفها صغار طلبة العلم فضلا عن كبارهم؛ فأولا: ليس هناك هذا العدد الهائل من القراءات، وثانيا: لم تستبقِ الأمّة قراءة واحدة فقط، بل ما تزال الأمة تحتفظ بالعديد من القراءات؛ كقراءة ابن كثير، وقراءة عاصم بن أبي النجود، وقراءة أبي عمرو بن العلاء، وقراءة نافع والكسائي وحمزة وخلف وغيرهم. أما الروايات عن هذه القراءات فهي أكثر؛ لأنّ للقراءة الواحدة أكثر من رواية كرواية حفص عن عاصم وشعبة عن عاصم وورش عن نافع والسوسي عن أبي عمرو وخلف عن حمزة وقنبل عن ابن كثير والبزي عن ابن كثير وغيرها..
فالدكتور "المثقّف" والباحث في التراث الإسلامي يوسف زيدان لا يفرّق أولا بين "القراءة" و"الرواية" فيسمّي رواية حفص "قراءة"، ثم هو يزعم أنّ الأمة استبقتْ رواية حفص عن عاصم فقط مع أنّ الواقع أنها احتفظت بأكثر منها وهي متداولة معروفة مطبوعة! ويدلّ على خطأ زعمه انتشار القراءات الأخرى ورواياتها بشكل كبير وطباعة المصاحف بها في جميع أنحاء العالم الإسلامي، بل إنّ بلاد المغرب مثلا تعتمد رواية ورش وليس رواية حفص، كرواية أساسية للقراءة، والمصاحف المسجلة صوتيًّا بمختلف الروايات تملأ فضاء الشبكة ويمكن الوصول إليها بثوان، إذ يمكنك أن تستمع إلى أيّ منها في المواقع المختلفة بأصوات عدد كبير من القرّاء المتقنين!
فتبيّنوا.. فتثبّتوا
أما ما ذكره من الفرق بين {فتبيّنوا} و{فتثبّتوا} في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ}. ليُظهر الأمر وكأنّه مخفي أو يحمل دلالة خطيرة في فهم القرآن؛ فهذا أيضا معروف بين صغار طلبة العلم فضلا عن العلماء، ومثبتٌ في مصاحف القراءات المختلفة المطبوعة والتي تجدها في معظم المكتبات الكبيرة في العالم الإسلامي.
| قيل أن سبب الاختلافات بين القراءات أنه يجب فهم القرآن على معهود لسان العرب حيث أنهم لا يعتنون تلك العناية الدقيقة المتكلّفة بالألفاظ ويتّسع لسانهم للاستغناء ببعض الألفاظ عمّا يرادفها |
ففي قراءة خلف عن حمزة والدوري عن الكسائي ستجدها {فتثبّتوا}، وفي قراءات كثيرة غيرها ستجدها {فتبيّنوا}. أما إذا أراد الدكتور يوسف زيدان من طرح هذه المعلومة بهذا الشكل المغلوط والمنقوص أن يظهر وكأنه كشف عن المخبّأ في التراث الإسلامي؛ فهو أولا لم يكشف عن شيء مخبّأ، بل مَن حفظ هذه القراءات المختلفة وكتب عنها وتداولها ونسخها وطبعها (ليعرفها يوسف زيدان!) وما زال يعلّمها إلى يومنا هذا هم علماء هذه الأمة، فليس الأمر معلومةً مفاجئة إلا لمن "لا يقرأ" وليس له من الثقافة الإسلامية حظّ ولا نصيب!
وقد قيل الكثير عن سبب هذه الاختلافات بين القراءات في بعض الكلمات القليلة جدا، ولكن أكثر ما اطمأنت إليه النفس حتى الآن هو ما قاله الإمام الشاطبي في كتابه "الموافقات" من أنّه يجب فهم القرآن على معهود لسان العرب، وأنّ معهود لسان العرب أنهم لا يعتنون تلك العناية الدقيقة المتكلّفة بالألفاظ ويتّسع لسانهم للاستغناء ببعض الألفاظ عمّا يرادفها أو يقاربها ولا يعدّ ذلك اختلافا ولا اضطرابا.
وضرب على ذلك أمثلة مثل الفرق بين {لَنُبوّئَنَّهُم مِنَ الجنّةِ غُرَفا} و{لَنُثْوِيَنَّهُم مِنَ الجنّةِ غُرَفا}، وبيّن أنّ المعنى الإجمالي في الخطاب لا يرتبط بمفردة واحدة، بل هو نفس معنى الخطاب في الصيغتين، وذكر من الشواهد على ذلك ما جرى من الشاعر العربي ابن الرمّة حين أنشد بيتا له تارة بكلمة "بائس" وتارة بكلمة "يابس"، وقال إنهم واحد حين سأله أحدهم عن ذلك.
وقد أثبت الإمام ابن جرير الطبري شيخ المفسّرين القراءتين للآية، وسبق الإمام الشاطبي فيما ذكره من اتفاق المعنى الإجمالي لخطاب الآية في الحالتين، فقال في تفسيرها:
"واختلفت القرّاء في قراءة قوله {فَتَبَيَّنُوا} فقرأ ذلك عامّة قرّاء أهل المدينة {فَتَثَبَّتُوا} بالثاء، وذُكر أنها في مصحف عبد الله منقوطة بالثاء. وقرأ ذلك بعض القرّاء فتبيَّنوا بالباء، بمعنى: أمهلوا حتى تعرفوا صحته، لا تعجلوا بقبوله، وكذلك معنى {فَتَثَبَّتُوا}. والصواب من القول في ذلك أنهما قراءتان معروفتان متقاربتا المعنى، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب"
المصحف العثماني

أما زعمه بأنّ الرسم العثماني يعود للخطّاط العثماني التركي عثمان، فهو مغالطة فظيعة أخرى؛ ذلك أنّ المقصود بالرسم العثماني هو رسم المصحف الذي جمعه الخليفة الراشد الثالث عثمان بن عفان رضي الله عنه ونسخ عنه مصاحف وزّعها على الأمصار، وقد ذكر أئمة الإسلام هذا الرسم العثماني بالاسم وبوضوح تامّ قبل نشأة الدولة العثمانية بقرون طويلة!
فها هو الإمام أحمد بن حنبل (توفي 241 هـ) يقول: "تحرم مخالفة خطّ مصحف عثمان في ياء أو واو أو ألف أو غير ذلك". وها هو ابن أبي داود (توفي 316 هـ) يكتب كتابا كاملا بعنوان "المصاحف"، ويعقد فيه بابا بعنوان "باب المصاحف العثمانية". وقد كتب غيره بعده في هذا الباب، والحاصل أنّ الرسم العثماني معروف قبل نشأة الدولة العثمانية بقرون طويلة، فكيف يطرح الدكتور يوسف هذه المغالطة؟!
أما إذا كان الدكتور يوسف زيدان لا يفرّق بين مفهوم "الرسم" المقصود حين نقول "الرسم العثماني"، ومفهوم "الخط" الذي هو كأنواع الخطوط: الكوفي، الثلث، الديواني، الفارسي إلخ.. فتلك كارثة معرفية أخرى؛ إذ قد يكون الرسم واحدا والخطّ مختلف، فالمقصود بالرسم طريقة رسم الحرف، وليس بأيّ خطّ تمت كتابته.
فأنت قد تكتب كلمة "ءايت" بهذا الشكل كما هي في المصحف بأي خط: ثلث أو كوفي أو فارسي أو غيره، فهذا رَسْمٌ واحدٌ للكلمة كُتب بعدّة خطوط، وقد تكتبها كما نرسمها اليوم "آيات" أيضا بأي خطّ من تلك الخطوط المعروفة. فالخطاط العثماني التركي هو صاحب "خط" ولم يبتدع رسما جديدا للقرآن يا دكتور يوسف!
كُتب علوم القرآن

ثم زعم الدكتور يوسف زيدان أنّ هناك ثلاثة كتب فقط أُلّفتْ في علوم القرآن وهي: البرهان للزركشي والإتقان للسيوطي وتاريخ القرآن للمستشرق الألماني الشهير نولدكه! وكأنّه يريد أن يقول: إنّ هذا الإخفاء للقراءات الأخرى وللرسوم الأخرى للقرآن والاقتصار على حرف واحد ورسم واحد وقراءة واحدة ناتجٌ عن قلّة اهتمام علماء المسلمين بعلوم القرآن، إلى درجة أنّ هناك كتابان فقط من الكتب الإسلامية التي تهتم بعلوم القرآن وكتاب ثالث لمستشرق ألماني!
وهي مغالطة عجيبة أخرى من مغالطاته الكثيرة؛ فقد سبق الزركشي والسيوطي من كتب في علوم القرآن العديد من العلماء، ككتاب "فنون الأفنان في عيون علوم القرآن" لابن الجوزي، وكتاب "المرشد الوجيز إلى علوم تتعلق بالكتاب العزيز" لأبي شامة المقدسي وغيرها. مع التنويه إلى أنّ هذا النوع من التأليف (علوم القرآن) يعرّف بأنواع مختلفة من علوم القرآن في الغالب الأعمّ، ولكنه ليس النوع الوحيد من التأليف في علوم القرآن، وهنا المحكّ؛ فعلوم القرآن كثيرة جدا بل هو أكثر مجال نشأتْ حوله علوم عند المسلمين، وكان القرآن محلّ الاعتناء الأكبر في تآليفهم.
لقد كُتبَت في علوم القرآن المختلفة آلاف الكتب منذ القرن الثاني الهجري وحتى يومنا هذا؛ كالنَّسْخ والتفسير والمعاني والإعراب والمكي والمدني والفضائل والمشكل والغريب والأحكام والرسم والنقط والقراءات والمتشابه والوقف والائتناف والإعجاز واللغات والمطالع وعدّ الآي والتجويد وأسباب النزول وأصول التفسير وآداب حملة القرآن وأخلاقهم وغيرها..

وسيجد القارئ تحت كل عنوان من هذه العناوين عشرات الكتب وأحيانا مئات، دون أن نأخذ بالحسبان الكتب المعاصرة. بل لا نفارق الحقيقة إذا قلنا إنّ القرآن كان أكثر النصوص التي نشأتْ حولها علوم في التاريخ الإسلامي! ثم بعد ذلك يحصر يوسف زيدان علوم القرآن في ثلاثة كتب أحدها لمستشرق ألماني ليوهم القارئ بضحالة التأليف في مجال علوم القرآن، رغم كونه أكثر المجالات تأليفا واهتماما من علماء الأمة، وتحديدا علوم القراءات، فستجد اليوم آلاف الحفّاظ الذين تعلّموا القراءات المتواترة المختلفة بالطرق المتعددة الموصولة إلى النبيّ صلى الله عليه وسلّم، وفي هذا المجال وحده من علوم القرآن تآليف كثيرة لا يحتمل المقام ذكرها!
أليس من المخجل إذن أن يُلقي الدكتور يوسف زيدان، مع تاريخه الكبير في تحقيق التراث، بهذا الركام من المغالطات الفظيعة التي يخجل أي باحث جادّ في التراث من مجرّد ذكرها، ثم يحدّثنا مع ذلك عن أهمية القراءة والثقافة في نهضة الأمم؟!
إنّني أدعو إلى ما دعا إليه الدكتور يوسف زيدان في بداية ذلك البرنامج من أهمية القراءة والثقافة؛ لأنّه بالقراءة وسعة الاطلاع فقط نكشف مغالطات العابثين بالتراث والمشكّكين بثوابت الشرع. وبالقراءة والثقافة يمكن للقارئ العربي أن يفرّق بين من يعرض الحقائق كما هي ومن يزيّفها، بين من يحترم عقل القارئ ومن لا يحترم عقله ويستخفّ به ويُلقي عليه ركامًا من المغالطات العلمية والتاريخية!
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

