ديك فصيح إذ لا يزال في البيضة يصيح

blogs برلمان

هو قولٌ للعامّة وكم من أقوالٍ سليمةٍ تمسّ الواقعَ وتعبّر عنه، فلا يجبُ أن يغفل المُربّي عن هكذا أقوالٍ في منهجيّة تربية أفراده تربية رياديّة واعية. وإنّي لأستغربُ أن يكُون أمثال هذهِ الدّيوك في المُجتمعات الدعويّة اليوم، تصيحُ حرصًا على الدّنيا فتكون بذلك مثلها مثل عامّة النّاس يتطلّع أفرادها إلى السيّادة والسّلطة، وهم لا يملكون من المؤهلاتِ شيئًا سوى لسَان الخطيب وفصاحةَ الأديب.

 

بل لربّما كانوا في بداية مشوارهم وهم بذلكَ يضعون خُطواتِهم الأولى في دربِ الدّعوة، فيصير همُّ الواحد منهم الوحيد هو أن يسود على بضعة أفراد، دون التفكير بتوابع ذلك وخطورته، وأنها أمانة، ويوم القيامة خزي وندامة، لقوله عليه الصّلاة والسّلام: "إنكم ستَحرِصُون عَلى الإمَارة، وسَتكون ندَامة يَوم القِيامَة، فنِعمَ المُرضِعَة، وبَئِسَت الفاطمة" فهي محبوبة للنفس في الدنيا، ولكنها (بئست فاطمة) بعد الموت، حين يحينُ الحساب.

حدود الشورى لا يمكن أبدًا أن تكون واسعةً مترامية الأطراف، لأن اتخَاذ القرار عندئذ يُصبح صعبًا أو شبه مُستحيل، لكثرة المُتناظرين، فيكون ثَمَّ الطيش لا الاجتهاد
حدود الشورى لا يمكن أبدًا أن تكون واسعةً مترامية الأطراف، لأن اتخَاذ القرار عندئذ يُصبح صعبًا أو شبه مُستحيل، لكثرة المُتناظرين، فيكون ثَمَّ الطيش لا الاجتهاد

إشفاقٌ.. فهلاك

والأكثر غرابة في الأمر أن ترى المُشفقين على وحدة الصفّ من أهل الدّعوة يتّخذون من العاطفة سبيلاً لحلّ هذه الأزمة! فيسعون لإرضاء هؤلاء الذين أرادوا المكانة والنّقابة وتعلّقت قلوبهم بالرئاسة، بل ويساعدونهم لإشباع رغباتهم بتقليدهم المناصب وإشراكهم في السّلطة، جمعاً للجهود، وحرصاً على كل الطاقات أن تظل في خدمة القضية، فلا نخسر منهم أحد..ظنًّا أنّهم سيزهدون ويتدرّبون لمّا تُرهِقهم المسؤوليّة وتعركُهم الأيّام، وليتَ الأمر يتوقّفُ عند هذا الحدّ فحسب، بل قد يتعدّى ذلكَ إلى إشراكهم في الشورى لإرضاء كافّة الأطراف.

وما هذَا سوى حلٌّ عاطفيّ لا يمتُّ للمنطقيّة بصلة، بُنيَ على أساساتٍ هشّة لابدّ لها أن تنهار عاجلاً غير آجل فوقَ رؤوسِنا.. فكيف لأشخاصٍ ليس لهُم من العلم والفهم والوعي الكافي ما يؤهلهم لاتخاذ القرار المناسب في القضايا الكبرى أن نُشركَهم في الشورى، أن يكون بيدهم قرارُ مصير أمّةٍ كاملة، فالقضيّة ليست قضيّةً داخليّةً فقط لنسكت إنّما هي حقٌ عام؟ إنّ هذه الأزمة إن استفحلت في أوساطِنا الدعويّة فدعني أقول لكَ حينها أن: اقرأ الفاتحة على هذه الدّعوة، أو بالأحرى اقرأ الخاتمة.

أصول اصطناع القرار
بدايةً وقبل كلّ شيء علينَا أن نُدركُ أنّ ما نسعى له أسمى وأنبل من أن يحدّه منصبٌ، وتُقيّده نظرةٌ قاصرةٌ كهذه، وأنّ للشورى منهجيّة ومنطقيّة أساسيّة تقوم عليها، فإتاحة الفرصة لغير ذوي الأهلية والكفاية مهلكة للمُجتمعاتِ من جهة وللجماعات الدعويّة من جهة أخرى، فهي تصنعُ خللاً في التركيب النفسي للداعية. ثمّ علينَا أن نفهمُ أنّ سياسة الدّعوة الإسلاميّة تختلِفُ كلَّ الاختلاف عن سياسة الحكومة الائتلافية التي تسعى لإرضاء كافّة الأطراف فتخلقُ من أجل ذلك مقاعد وزاراتٍ ووظائف استشاريّة ليس لها أيّ ضرورة، فسياستُنَا كحركاتٍ إسلاميّة بحتة تقوم على أساسِ نُقطتين إثنين، هُما:

القيادة الفعليّة للأمّة لا تعني أبدًا المراكز والمسؤوليّات التي قد يمنحُنا إياها أصحابُ الفضلِ أو تلكَ التي تضعُنا فيها التوزّعات الدعويّة، بل هي أن يصنع الفردُ منّا الحياة من موطِن تّخصّصِه

أوّلاً: إنّ حدود الشورى لا يمكن أبدًا أن تكون واسعةً مترامية الأطراف، لأن اتخَاذ القرار عندئذ يُصبح صعبًا أو شبه مُستحيل، لكثرة المُتناظرين، فيكون ثَمَّ الطيش لا الاجتهاد، والانتصار للنّفسِ على حساب الصَّواب.. لكن هذا لا يعني أنّ توسيع مجال الشورى غير مطلوب، بل هو كذلك لمن خرّجتهم المعاناة من قبل بنجاحٍ، فتكونُ بذلكَ نظرتهم أوسع وأكثر نُضجًا، أمّا الناشئة فلهم الحقّ في المشاركة أيضًا لكن كمشاهدةٍ ومتابعة لعمليّة نضوجِ القرار، بنيّة التدرّب على القول، فليس كلّ مُتدرّبٍ مؤهّلٌ للقولِ.

ثانيًا: إن حق صناعة القرار نتاج مُعادلة صعبة نادرة التحقق، أولها النية الخالصة وحسن التوجّه، وآخرها المعاناة والتدرب، وبين البداية والنهاية ذكاء وعلم ونفس سوية، ومعرفة أفقية بالساحة العريضة، وتأمل عمودي في التاريخ الممتد.

لكن متى يفهمُ هؤلاء المُشفقون من قادتِنا أنّ من يُطالبُ بالسّلطة إنّما هو العاجِزُ الذي يُدرِكُ عجزه، فيُطالبُ بالألقابِ ليعوّضَ ما يعتريه من نُقصٍ، بل ويعاركُ ويختلِفُ ويفتعل المشاكل في سبيل ذلك، دون أدنى مُكتسباتٍ قبليّة، فلا هو يُحسِنُ علمًا ولا هو عامِلٌ مُجدٌ في مجالِ تخصّصه، يملأ الكواليس همساً وسعياً، فيشتّتُ الجماعة ويعرقلُ سيرها.

 

فبدلَ أن تنصَرِف الجماعات الدّعويّة لحلّ مشاكل المُجتمع والتفرّغِ لتحقيق الأهدافِ الأساسيّة التي قامت عليها، تجدها منشغلَةً بحلّ مشاكلها الدّاخليّة، وفضّ الصراعات والنّزاعات بين المُنتمين إليها، أخذتهُم الدّنيا كما أخذت غيرهم وتناسوا في خِضمها أنّ هدفهم هو إعلاء دينِ الله لا إعلاء مركزهم بينَ النّاسِ في الأرض، قال تعالى: "تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا ۚ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ"، إنّ أمثال هؤلاءِ وإن اشتدّ صياحُهم في الأوساطِ وجب بترُهم نهائيًا فلا ينفعُ معهم احتواء ولا لينٌ ولا وقتَ للجماعةِ لتعُرقِل سيرها من أجل قلوبٍ أعماها الجشعُ فخرجت عن طّريق الدّعوة.

والقيادة الفعليّة للأمّة لا تعني أبدًا المراكز والمسؤوليّات التي قد يمنحُنا إياها أصحابُ الفضلِ أو تلكَ التي تضعُنا فيها التوزّعات الدعويّة، بل هي أن يصنع الفردُ منّا الحياة من موطِن تّخصّصِه.. والدّاعية الحقّ هو مليء النّفس فلا يحتاجُ أحدًا لملئها، يُدرِكُ جيّدًا أنّ المسؤوليّة لم تكُن يومًا تشريفًا، بل هي تكليف ثقيلٌ حجمُه يتحمّل خطأه من تصدّر له دون تهيئة، وقد قال -صلى الله عليه وسلم-لرجلين سألاه الإمارة: "إنّا لا نولّي هذا مَنْ سأله، ولا من حرَصَ عليه".

القائد الحقّ هو من ينهضُ بنفسِه وترشّحهُ فطرته وإلاّ فلن تستطيعَ أنتَ افتعاله، وليس بالصّياحُ ولا بمُجرّد العواطف تُقادُ المُجتمعات بل هو المزيجٌ بين الصفات المتماثلة من جمال وتناسب، وتدرج واستمرار
القائد الحقّ هو من ينهضُ بنفسِه وترشّحهُ فطرته وإلاّ فلن تستطيعَ أنتَ افتعاله، وليس بالصّياحُ ولا بمُجرّد العواطف تُقادُ المُجتمعات بل هو المزيجٌ بين الصفات المتماثلة من جمال وتناسب، وتدرج واستمرار
 

وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إمَامًا

قد يحتارُ الواحِدُ منّا بمجرّد قراءته لهذه الآية، ويحسّ أنّ هُناكَ تناقض، ولا يدرِكُ أين يكمُن الفرق بينَ الطّلب في بداية المقال وهذا الطّلب، رغم أنّهُ واضِحٌ، ففي قوله تعالى: "وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إمَامًا"، ما هو إلاّ لفرطِ محبةٍ لله وتقديسه، ليكون العملُ خالصًا كله له، وليحذوا النّاس حذوهم باتباع طريق الحق، أي على الدّاعية أن يُفرّق بين تعظيم أمر الله والنصح له وتعظيم النفس والسّعي في حظّها.

وعن يوسف عليه السّلام في قوله تعالى: "اجْعَلْنِي عَلَىٰ خَزَائِنِ الْأَرْضِ ۖ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ"، ليس ذلكَ لحرصٍ منه على الإمارة، وإنّما لأنّه عرفَ من نفسِه من الأمَانة ما لم يَعرفه قومه، إذن هي رَغبة في النّفع العَام، فالمقصَد من طَلبه هو حِفظُ أموال النَّاس والإصلاحِ، وليسَ لإشباع رغبته في الزّعامة، وهذا جُزء من رسَالة الداعية إلى الله، همّه الوحيد إرضاء ربّه، فالضّابط فيها هي النيّة والموازنة بين المصَالح والمفاسِد العامة.

ومن هنا يتّضحُ لدينا أنّ ما سبق قوله من تحذيرٍ ونهيٍ عن طلب الإمارة لا ينطبقُ على داعيةٍ قدّم نفسه ليصلح قومه ويُرشِدَهم إلى الحقّ، حتّى لو كان ذلك سببٌ في شهرته فلا ضرر. وهذا الأمر مزلقٌ أيضًا، لصعوبة تمحيص القصد ولالتباس النيّة، فعلى الفرد منّا المُجاهدة ليخلص نيّته لله وحده، والله هو أعلم بالمُخلِص منّا ولهذا يحذّرنا فيقول: "وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ ۗ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ".

وعليه فالقائد الحقّ هو من ينهضُ بنفسِه وترشّحهُ فطرته وإلاّ فلن تستطيعَ أنتَ افتعاله، وليس بالصّياحُ ولا بمُجرّد العواطف تُقادُ المُجتمعات بل هو المزيجٌ بين الصفات المتماثلة من جمال وتناسب، وتدرج واستمرار، التي تُؤدّي إلى استواء النّفس ووحدة الفكر واتساقه ثمّ الثّباتُ والارتباط، وأخرى مُتناقضة كالسرعة والسكون، والرتابة والتجديد، التي تمكّنه من التكيف مع الظروف، والمرونة إزاء المفاجأة.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

إعلان

إعلان