لـ "إليف شافاق" وجوه ثلاث.. "عن أحدث رواياتها"

blogs بنات حواء الثلاث

عمل الزمان كالخياط الماهر في حياكة قطعتي القماش اللتين غلفتا حياة بيري والمتمثلتين في رأي الناس فيها ورأيها شخصيا في نفسها. وامتزج الانطباع الذي تركته في نفوس الآخرين بتصورها الذاتي ليصبحا كلا متكاملا على نحو لم تعد فيه قادرة على معرفة مدى ما تحدده أمنيات الآخرين من يومها ومدى ما كانت تريده هي حقا من ذلك اليوم.

 

وغالبا ما كانت تشعر بدافع يحثها على الإمساك بدلو مملوء ماء مغطى برغوة الصابون لتغسل الشوارع والميادين العامة والحكومة والبرلمان والبيروقراطية تغسل معها كلها بضعة أفواه أيضا فثمة قدر كبير من القذارة يحتاج إلى تنظيف وقدر كبير من الكسور التي تحتاج إلى تجبير وقدر كبير من الأخطاء التي تحتاج إلى تصحيح.

بنات حواء الثلاث
تتمتع الروائية التركية إيليف شافاق بشعبية واسعة بين القراء بمختلف جنسياتهم وثقافاتهم بالرغم أنه ومن منظوري الشخصي ليس كل قارئ يستسيغ ما تكتب أو يهضمه فالحبكة في رواياتها بالرغم من بساطتها إلا أن الحوارات عميقة ذات أبعاد فلسفية دينية تاريخية وسياسية لذا فكثير ممن يقرؤون ما تكتب قد يصيبهم الملل ويقررون الانسحاب فهي من أدباء القضية أولئك الذين لا يعتمدون في كتاباتهم فقط على عنصر الإثارة والأحداث الشيقة فعالم الكتابة بالنسبة لهم يتعدى كونه مجرد وسيلة للترفيه إلى كونه محفزا لطرح الأسئلة والبحث عن الإجابات ومحاولة فهم هذا العالم الذي يقف على حافة الجنون.

ولدت إيليف شافاق التركية بستراسبورغ بفرنسا وتنقلت بين بلدان عدة قبل أن تحط الرحال ببريطانيا هي كاتبة عالمية ترجمت كتبها لعدة لغات
ولدت إيليف شافاق التركية بستراسبورغ بفرنسا وتنقلت بين بلدان عدة قبل أن تحط الرحال ببريطانيا هي كاتبة عالمية ترجمت كتبها لعدة لغات

هذه المرة تناولت شافاق في روايتها الجديدة بنات حواء الثلاث مواضيع تميز الحاضر الهش الذي تعيشه المرأة بين التدين والتحرر والإسلاموفوبيا في الدول الغربية وصراعات الشرق الأوسط التي يغلب عليها التطرف الديني. القصة إن رغبت بالاختصار فسأقول أنها عن طالبة عاشت طفولة مضطربة تقع في حب أستاذها الجامعي المثير للجدل فيظن البعض أنها رواية مبتذلة موجهة للمراهقات لكنها وحدها إيليف قادرة على إضفاء طابع من الجدية والارتقاء بقصة مماثلة فبالرغم من كونها نسخة مستهلكة إلا أنه يمكن أن نعيد الصياغة فنقول النسخة المستهلكة من زاوية نظر إيليف شافاق. 

نازبيري أو بيري كما يطلق عليها في الكتاب هي الشخصية الرئيسية التي تتمحور حولها الأحداث بيري في الزمن الحاضر ربة البيت وأم وزوجة لرجل مهم في تركيا وبيري في الزمن الماضي وبالتحديد ثمانينيات القرن العشرين الطفلة المشتتة البنت المحببة إلى قلب أبيها الطالبة المجتهدة ثم فتاة أكسفورد التي حاولت الانتحار.

 

حسنا لنعد قليلا إلى نقطة البداية بيري وطفولتها الحائرة بين أم مؤمنة حد التطرف وأب يكاد يكون ملحدا فكيف لأسرة أن تكون متوازنة وسط كل هذا الاختلال الذي سيغدو رفيقا دائما لها وسيكون له التأثير الأكبر عليها في سنوات شبابها فلا هي تقوم بواجباتها الدينية على أكمل وجه ولا هي تنسحب كوالدها فبقيت عالقة من دون توجه ديني واضح فبدأت تراودها أسئلة وجودية عن الرب منذ صغرها الأسئلة ذاتها التي ستقودها إلى قدر غريب في بلاد أجنبية. تسافر بيري لإكمال دراستها الجامعية في بريطانيا وبالتحديد في أعرق جامعاتها أكسفورد خيال يراودنا جميعا.

تقتحم الصداقة إن صح التعبير وكذا الحب حياة بيري فتتعرف إلى شيرين الفتاة المتحررة التي تنبذ كل القيود بأنواعها خصوصا الدينية وإلى منى الفتاة الحريصة على ممارسة واجباتها الدينية وتكون شاهدة على كل الصراعات الدائمة بينهما خصوصا بعد انتقال الفتيات الثلاث للعيش معا الملحدة المؤمنة والمشتتة فكان التاريخ يعيد نفسه معها بوجوه وجنسيات مختلفة هذه المرة.

عتبي الوحيد على الرواية هي الفصول الأخيرة لها لوهلة أحسست بأن الكاتبة أنهتها على عجل أو قد يكون مجرد إحساس راودني بسبب النهاية التي يمكن القول أنها كانت مباغتة نوعا ما
عتبي الوحيد على الرواية هي الفصول الأخيرة لها لوهلة أحسست بأن الكاتبة أنهتها على عجل أو قد يكون مجرد إحساس راودني بسبب النهاية التي يمكن القول أنها كانت مباغتة نوعا ما

 

يدخل حياة بيري شخص آخر أكثر إثارة آزور الأستاذ الجامعي المحاضر في علم اللاهوت الذي يعتبر منهجه من أكثر المناهج تعقيدا حيث يتم التركيز على مواضيع الإيمان والهوية والانتماء آزور كان أحيانا يجعل من طلابه بحد ذاتهم فئران تجارب حقيقية بين الفينة والأخرى تماما كما كان الحال مع بنات حواء الثلاث ولو أن المقصد شريف ذلك أنه كان يحاول أن يحتوي الصراع الناتج عن الاختلاف عن طريق الحوار فتتعرف الذات إلى الآخر وتتقبله وتتسامح مع معتقداته فهذا ما نحن بحاجة إليه في الوقت الراهن إدراك أن الاختلافات العقائدية لا يجب أن تكون سببا للصراع والتنافر.

ولأننا نتشبث بذكرياتنا ولأن الصور هي ملاذنا إليها استرجعت بيري الماضي بأوجاعه بسبب فضول ابنتها حول صورة لها تجمعها بصديقتيها وبأستاذها تمكنت من الوصول إليها بسبب حادث تعرضت له وهي في طريقها إلى العشاء الأخير للبرجوازية التركية والذي سيحمل لها الخلاص والراحة من ذنب اقترفته في حق إنسان أحبته لربما بدافع الغيرة أو بدافع الكبرياء.

عتبي الوحيد على الرواية هي الفصول الأخيرة لها لوهلة أحسست بأن الكاتبة أنهتها على عجل أو قد يكون مجرد إحساس راودني بسبب النهاية التي يمكن القول أنها كانت مباغتة نوعا ما لكن هذه هي إيليف كما اعتدناها تسحبك إلى القصة بطريقة خاصة أعجز فعلا عن إيجاد كلمة مناسبة تصف الحالة ثم تصل بك إلى نقطة النهاية فتتركك مليئا بالتساؤلات غير مصدق أنه ليس هناك فصل آخر للرواية.

ولدت إيليف شافاق التركية في ستراسبورغ بفرنسا وتنقلت بين بلدان عدة قبل أن تحط الرحال ببريطانيا هي كاتبة عالمية ترجمت كتبها لعدة لغات وبالتحديد أكثر من أربعين لغة مما جعل لها مكانتها الخاصة في عالم الأدب من أشهر مؤلفاتها قواعد العشق الأربعون ولقيطة اسطنبول. إليك عزيزي القارئ إن كنت لم تقرأ هذه الرواية بعد أتمنى ألا يثنيك بعض الحرق للأحداث الموجود بالمراجعة عن القراءة فصدقني أنت لن ترغب في أن تفوتك هذه الرحلة.