توماس سانكارا.. الثائر المُجنح

blogs توماس سنكارا

لم يكن والدا الطفل النحيل توماس سانكارا يظنان أن ابنهما سوف يصبح ذات يوم أيقونة للحرية والنضال ضد الإمبريالية، ويوصف بجيفارا الأفريقي، وتوشم صوره على أجساد الثائرين في القارة السمراء. كانت والدته المسيحية المتدينة تتحرى وصوله إلى سن البلوغ لتهبه لراهب الكنيسة في قريتهم، أما والده -الجندي المكافح- فكان حريصا على أن يبعد ابنه عن مسار الجندية ومتاعبها. إلا أن مستقبل الشاب اليافع كان بعيدا جدا عما خطط له أبواه.

 

دخل سانكارا الجيش وهو في سن السابعة عشرة، وقاد انقلابا عسكريا أوصله للسلطة في عقده الثالث، ليغير خلال أربعة أعوام وجه البلاد، وينقلها من دولة أفريقية كسيحة، تستجدي من الدول المانحة قوت شعبها، إلى نظام اشتراكي حقق في عامين اكتفاء ذاتيا في كل المحاصيل الزراعية، وغرس أكثر من عشرة ملايين شجرة، وحقق في أسبوع واحد رقما قياسيا عالميا في عدد الأطفال الذين تلقوا تطعيمات ضد الأمراض الفتاكة (2.5 مليون طفل في أسبوع واحد).

 كان سانكارا يسابق الزمن للوصول إلى النتائج التي خطط لها، وكأنه يعي أن أعداءه لن يمنحوه وقتا طويلا لينجز كل شيء، بدأ بتأميم كل المناجم والمصانع في بوركينافاسو، ومنح المزارعين أراض خاصة، وعزل السياسيين وأصحاب النفوذ، وشجع المرأة على الخروج للعمل والدراسة، وكان حريصا على بناء مجتمع صحي قوي، فأمر ببناء مستوصف في كل قرية، وتطعيم كل الأطفال مجانا، وحارب ظاهرة ختان الإناث.

إجراءات كامباوري القمعية لم تمح صورة سانكارا من مخيلة الأفارقة، الذين ما زالوا حتى اليوم يذكرون مقولته الشهيرة: إجراءات كامباوري القمعية لم تمح صورة سانكارا من مخيلة الأفارقة، الذين ما زالوا حتى اليوم يذكرون مقولته الشهيرة: "يمكنهم أن يقتلوا الثائر، لكن أفكاره ستبقى تحوم بأجنحتها فوق رؤوسهم"
 

ولعل من أهم أسباب نجاحه وشعبيته أنه بدأ بنفسه وحاشيته، فكان من أول القرارات التي اتخذها منع استخدام السيارات الفارهة من قبل المسؤولين، ونزع كل أجهزة التكييف في القصر الرئاسي ومقرات الوزارات، ليعيش أصحاب المناصب معاناة شعب بوركينافاسو التي تصنف ضمن أفقر دول العالم.

 

كان سانكارا يطبق النهج الاشتراكي في قالب يلائم خصوصية بلده محدود الثروات، بعد أن قرأ كتب ماركس ولينين وأعجب بها إبان فترة تدريب عسكري قضاها في مدغشقر، التي كان شاهدا على ثورة سكانها على حكم فيلبيرت تسيرانانا أول رئيس للبلاد. ورغم الإشادة الكبيرة بما حققه سانكارا إلا أن فترة حكمه (من 1983 إلى 1987) لم تخلو من مثالب، من أهمها تقييده للحريات العامة وتحجيم دور المعارضة المدنية، والتضييق على الصحافة، مدعيا أن الإصلاحات الجذرية التي يقوم بها تتطلب مثل هذه الإجراءات التي كانت عاملا مشتركا بين كل النظم اشتراكية التوجه آنذاك. 

بعد أن بدا لسانكارا أنه أسس قواعد حكمه داخليا، سعى إلى نقل "عدوى الاشتراكية الثورية" إلى دول الجوار الأفريقي، وكان يحض في لقاءاته برؤساء هذه الدول، على قطع الصلات بالدول الاستعمارية، والمنظمات المانحة، ما عجل ربما باتخاذ قرار بتصفيته وإنهاء حكمه. وفي صبيحة يوم 15 أكتوبر 1987، وخلال اجتماع صباحي ببعض القادة المقربين منه، اخترقت عدة رصاصات جسد "جيفارا الأفريقي"، قيل إن مطلقها رفيق دربه وأحد أقرب معاونيه بليز كامباوري، الذي أعلن نفسه رئيسا للبلاد، وكان أول قرار يصدره أمر رئاسي بحرق جثة سانكارا، وتجريم كل من ينطق باسمه أو يحمل صورته في البلاد، التي أعادها خلال فترة حكمه الديكتاتوري الطويلة إلى حظيرة الدول التابعة لفرنسا.

 

إجراءات كامباوري القمعية لم تمح صورة سانكارا من مخيلة الأفارقة، الذين ما زالوا حتى اليوم يذكرون مقولته الشهيرة: "يمكنهم أن يقتلوا الثائر، لكن أفكاره ستبقى تحوم بأجنحتها فوق رؤوسهم"، وبعد ثلاثة عقود ثار البوركينابيون على حكم الديكتاتور في مظاهرات عارمة سميت يومها "ربيع واغادوغو"، وفر كامباوري تحت جنح الظلام باحثا عن ملجأ، تطارده لعنة سانكارا الثائر المجنح.