لا نزال نحلم بالحياة

blogs - قارب هجرة غير شرعية
في وطني يحزن الناس للجنائز لا للموت، وتقدم التعازي لذوي أولئك الذين فارقوا سطح الأرض لا الحياة، وتحزن الجرائد على شاب غرق في عرض البحر وقد عاش قبل ذلك دهرا يتمنى أن ينتشله أحدهم من وحل الظلم والمحسوبية والبيروقراطية ولم يبادر إلا القارب الذي انهزم أمام الموج، لا أحد يلتفت لآلاف الجثث التي تسير في الشوارع دون أن تعيش لأنها لا تمتلك الوقت لفعل ذلك، لقد انقسم معشر الأموات الأحياء في هذا الوطن لصنفين إما بطال لا يمتلك ثمن شرب قهوة، أو موظف برتبة عبد، تعريف النعيم في قاموسه هو استراحة بيوم عطلة يتيم يستغله لارتشاف فنجان قهوة مع أم أو صديق دون أن يقطعه رب العمل باتصال يطلب ساعات إضافية، إنه لمن المؤلم أن تتضاءل الأحلام لتصبح بحجم فنجان قهوة. 
في طفولتي كان المخلوق الذي يستعمل لإخافتي لكي لا أثق بالغرباء يدعى (أبو شكارة)، وتنسب التسمية للعملاء أيام الاحتلال الفرنسي للجزائر، الذين عندما كانوا يسيرون مع الجنود الفرنسيين ليشوا بالمجاهدين وأهلهم يرتدون شكارة على رؤوسهم ليخفوا هوياتهم، والشكارة باللهجة المحلية هي الكيس، قالوا لي إن هذا الكائن سيخطفك إن وجدك تلعب بعيدا عن المنزل، لم ترعبني الفكرة طويلا لأني قلت في نفسي إن مواصفات هذا الشخص معروفة وسأركض بعيدا بمجرد أن ألمحه، مرت طفولتي بسلام لكنى ارتكبت خطأ كبيرا عندما وثقت بكل إنسان ملامحه لا يخفيها كيس، لم أعرف أن الكثير من الابتسامات يقف خلفها وحوش يستحي من أعمالهم أبو شكارة.

مأساتنا أكبر من قدرة شرائية أو مرتب يسد حاجياتنا، إن ما يقتل أرواحنا كل يوم هو الظلم والاستغلال وتقييد الطموح وعدم تكافئ الفرص

وشاء القدر أن أعمل عند واحد منهم لم أكن أتقاضى الكثير، لكن المرتب كان يتأخر بالشهر إلى أن وصل لأربعة لم أستلمها حتى الآن ولا أظن أني سأفعل، في تلك الأيام وبما أنني أعمل في مجال الهندسة المعمارية، تكونت لدي فكرة عن معاناة اليد العاملة التي ساهمت في بناء الأهرامات أو الكولوسيوم بسب الاستغلال، فحتى الغذاء الذي كنت أتناوله لم يكن بأحسن مما يأكله جندي محاصر في حرب، ولا أقول هذا مجازا لأنه حقيقة، فميزانيتي المتواضعة لم تسمح لي بأكثر من وجبة (كرانتيكا)، وهي أكلة تقول الأسطورة أن جنودا إسبان محتلين في القرن السادس عشر تم محاصرتهم داحخل أحد الحصون بمدينة وهران من طرف الجيوش الإسلامية، وعندما نفد زادهم إلا من حمص طحنوه وخلطوه بالملح والماء واكتشفوا بعد طبخه على النار أن ذوقه جيد، وبعد أربعة قرون أصبح هذا الاختراع المنقذ للكثير من الجائعين وأنا منهم.

إني أعترف أن هذه المصاعب تعد ترفا بالنسبة لرجل بكى لأنه لم يجد في جيبه ثمن حليب لابنه الرضيع، إلا أنها لا تكف عن حقن المرارة داخل أيامي، وعزائي الوحيد في منفاي الاختياري أني ما زلت أشعر بالحياة تنبض في عيون كل الكادحين الذين ألتقيهم يوميا، فأسافر مع ضحكة طفل يبيع المناديل الورقية في الشوارع، وأطرب من تذمر عجوز وهي تنتقد جيلي داخل حافلة نقل عمومي مكتظة يعد ركوبها كل صباح إنجازا، ويسعدني أحدهم يستعمل ذكاءه ليتجاوز دوره داخل محل أكل شعبي، لا أعرف لماذا يمنحني الإحساس بكل هذه الأشياء وإن كانت تبدو تافهة القوة على الاستمرار والقتال.

يا أهل وطني.. عندما تشاهدون جثة تلتقطها رافعة إيطالية من عرض البحر، لا تقولوا لصاحبها انتحر أو رمى بنفسه للتهلكة، هو فقط حلم بحياة أفضل، وناضل من أجل ذلك بطريقته، ولا تحقدوا على القرش إن التقطنا بين أسنانه لأنها لا تؤلمنا، وفروا كرهكم لمن دفعنا للمجهول ونهش لحومنا تحت أنظارنا ليبني ثروثه، ولتعلموا أن مأساتنا أكبر من قدرة شرائية أو مرتب يسد حاجياتنا، إن ما يقتل أرواحنا كل يوم هو الظلم والاستغلال وتقييد الطموح وعدم تكافئ الفرص، ورغم كل شيء لا نزال نحلم بالحياة من داخل قبورنا.