داريا عز اللقاء

Blogs- syria
مضى عامٌ، نكأ الجراحَ التي لم تنمْ بعد الفراق، ولم نلتقي على الميعاد! أراكِ محزونةَ القلبِ دامعةَ المُقل، تعانقين بقيّة أحلامنا ورُفات شبابنا على حسرة! فما هانوا ولا فُتِنوا. بلْ بقَوا لكِ سلوى عن جراحاتِك. يتيمةٌ أنتِ كآخرِ قُبلةِ أبٍ على جبينِ ابنهِ قبلَ الوداع، ثمّ بعدَ اليُتْمِ ثكْلى، فلا وكلّ ضرباتِ الزّمانِ كانت مُصْرِخةً لكِ.. ولا! ما نال ضجيجُ الحقدِ من جبروتِ إيمانِك.
             
ها نحن أبناءُ الحنينِ الضّياعى في غُربة القلبِ والدّرب. نستدرِكُ سويْعاتٍ من الغفلة. فما زادتْنا بِضْعُ كُسيْراتٍ من الخبزِ في البعْدِ عنكِ إلّا تِرحالاً. بحثاً عن موتٍ لا تَشَابُه شائبةُ الحياة. داريّا أنتِ ثورة، أو إنْ لمْ تُجْحِفْ حروفي بحقّكِ (ثورة الثّورة) والقلبُ يشهدُ أنّكِ قِبلةُ الأملِ والألمِ. وأنتِ أنتِ بوصلةُ الجنّةِ المعلّقةِ على صدر الشّهيد.
        
في الوداع الأخير يستحضرُ الجميعُ سرب الطيورِ الّذي احتشدَ مهاجراً في الأفقْ. مودّعاً خريفَ المدينة على أمَلِ اللّقاءِ في ربيعٍ مقبلِ

هكذا كانت ليلةُ الوداعِ الأخيرْ، حينما لملمْنا بضْعَ تذكاراتٍ تعلّقتْ بها عطورُ من فارقْنا وقادَنا الرحيلُ إلى قبورِهم لنلقي عليهمُ السلام، سلامٌ عليكمْ، طابَتْ سُكناكُم يامن كنتم أهلَ الأمانةِ، وصدِأتْ من بعدِكم كلّ الأصنامِ الّتي عُبدتْ على مضض. أنتم من استعذْتُم بالله من فتنةِ المحيا فأعاذَكُمْ، لله درّكم. كانت ليلةً ضبابيّةً الكلّ ينتظرُ المجهولَ، الجميعُ حائرُ الخُطأ بعد كلّ المقاومة سيجتثّ اليومَ القلبَ الذي لطالما خفقَ بِ (الله أكبرْ) ستقطّع أوردَتهُ وشرايينه. سيستبدل بقلبٍ سوداويّ كقلبِ المنافقِ الّذيْ يصلّي دون وضوء.

      
أما سوادُ تلك الليلة فكان مخضّم بالحُرقة! وأنينُه كأنينِ ذاكَ الطّفل ذو الستة عشر يوماً الّذي عانى آلامَ عمليّةٍ جراحيّةٍ دامَتْ ساعات دون أن يشعرَ بخفقِ قلبِ أمّه الّتي تسلّل الموتُ إليها على عجلٍ ناسياً كلّ حقوقِ الإنسانيّة والمحافل الدوليّة -الّتي تتغنّى بالحريّات النظريّة على أشكالها- ليلحقَ بها ويُدفنَا معاً تُراهُ كانَ محظوظاً جدّاً استنشقَ هواءَ داريّا لمدّة خمسة عشر يوماً متواصلة، لينالَ كرامةَ الشّهادةِ على أرضِها ويُدفنَ في ترابِها.
ومع مطلِع الفجرِ الذي عقُبَ تلك اللّيلةِ الّتي ما استطاعَ أن يغفوَ فيها أحد بدأ التّأهّب، ساعاتٍ تفصِلُ أهالي المدينة عن مصيرِهم المجهول، وفي الوداع الأخير يستحضرُ الجميعُ سرب الطيورِ الّذي احتشدَ مهاجراً في الأفقْ. مودّعاً خريفَ المدينة على أمَلِ اللّقاءِ في ربيعٍ مقبلِ، والطّريقُ يطولُ يطول والنظراتُ تودّع الشّامَ. وتقارنُ مشاهِد الموت الّتي كانت تعاشُ يوميّاً بمشاهِدِ الحياةِ الطبيعيّةِ المصطنعة في الطّرقاتِ خارِجها، وبدأ الاطمئنان يسودُ شيئاً فشيئاً، والتّعبُ يحتدّ هكذا كان لقاءُنا الأخير، حملنا أولادنا على أكفّنا وتركْنا أمّنا المنهكة تلاقي ويلات الألم. حاولْنا البرّ لكنّ أمر الله قدْ تمّ وها نحن اليومَ نسألُ هل إلى رجوعٍ من سبيل! أمْ إنْ لم نعُدْ أَيعودُ أحمدُ وزيدٌ وعَمرو! ويجبِلون الحقّ ليعمّروا لكِ داريّا أسواراً من صمودْ، أو لعلّكِ تكونينَ أبهى قصورِ القيامة فكمْ لكِ من شفيع! وأعجزُ أن أروي مزيداً، فقد رَوَتْ بِما يكفيْ الدّموع.