هويتنا ليست سبب تخلف تعليمنا

blogs تعليم
وأنا أقرأ مقالا لأحد الكتاب المحترمين يتحدث عن الوضعية البائسة للتعليم المغربي والتي لا يختلف عليها اثنان، أصابني الذهول وتساءلت بسذاجة: هل حضرة الأستاذ يتحدث عن المغرب أم عن بلد آخر؟ أم أنني درست في بلد أجنبي وأنا لا أدري؟ من يقرأ المقال يظن تعليمنا مصنعا للفقهاء البلغاء؟! لعلي لا أنتمي لهذا الميدان لأستعرض الأسباب والحلول، لكن حضرة الكاتب لم يستعرض إحصائيات ولم يأتنا بمراجع يستند عليها في هجومه على هويتنا؟! بل ما جاء في مقاله مخالف تماما لنتائج الدراسات غير الحكومية التي جعلت المغرب مصنفا في أسفل السلم التعليمي لأسباب كثيرة لا نجد التعريب ولا الدين من بينها. 

لقد تتلمذت في مدارس حكومية وأعلم جيدا ما تحتوي عليه مقرراتنا من "المعرفة"، لذا لا أجدني أستوعب مقال الكاتب وأتساءل مجددا؛ هل فعلا يتحدث عن التعليم المغربي أم أن الغرض – والله أعلم بالنوايا – كان فقط مهاجمة اللغة العربية والدين وتمجيد اللغة الفرنسية وتقزيم مكانة القيم والأخلاق في منظومتنا التعليمية.

ضرب الكاتب المحترم مثلا بديعا غريبا عندما قال إن لا مكان للأخلاق والقيم في التعليم، ودعانا للتأسي باليابان وغيرها، وكيف أن هذه الدول غير المسلمة لا تهتم بالقيم ولا بالأخلاق، هل يظن الكاتب أن الأخلاق والقيم حِكر على المسلمين فقط، وأن غير المسلمين "بلا أخلاق"؟ هل لدى حضرة الكاتب أدنى فكرة عن التعليم في اليابان؟ هل يعقل أن نتحدث عن تعليم عارٍ من القيم؟ ما الهدف من المعرفة إذن؟ لماذا أنشأت المدارس والمعاهد أليس الهدف الأكبر تخريج مواطنين صالحين؟

هل سمعت بصلاح بلا أخلاق؟ هل سمعت بمواطنة من دون قيم؟ هلا تفضلت وزرت المدارس الأمريكية في المغرب لتعرف أن ما كتبته يجانب الصواب؟ هلا سألت عن منظومة القيم في المدارس الأمريكية في بلادنا، هل تعلم أن المدرسة الأمريكية عندنا تتبنى النظام الياباني لأنه مؤسس على ترسيخ القيم والأخلاق؟ هل الهدف من التعليم أن يجيد الطفل وضع الأرقام جنب الرموز، ورص الحروف لجعلها كلمات يربطها ليشكل جملا بلا مغزى؟ الجواب لا وألف لا؟ ليس هذا ما أنتظره من التعليم؟ ليس هذا النوع من التلقين المفرغ من القيم هو ما أوصل اليابان إلى ما هي عليه الآن! تعليم بلا أخلاق هو انتحار للأجيال، وحكم بالضياع على الأوطان يا حضرة الأستاذ.

هل تظن يا سيدي أن اللغة العربية التي كتبت بها مقالك غير قادرة على احتواء العلوم؟ يسعدني أن أخبرك أنك مخطئ فقد احتوت العربية ما هو فوق العلم
هل تظن يا سيدي أن اللغة العربية التي كتبت بها مقالك غير قادرة على احتواء العلوم؟ يسعدني أن أخبرك أنك مخطئ فقد احتوت العربية ما هو فوق العلم

ثم يحدثنا الكاتب عن جرم اللغة العربية في حق التعليم وكيف أن التعريب هو المعول الذي هدم صرح التعليم في المغرب، من يقرأ هذا الكلام يا سيدي، سيعتقد أنه إذا جاء المغرب سيجد طلابه ينشدون المعلقات، ويشرحون كتاب سيبويه، بالطبع ليس هذا ما سيجدونه، اللغة العربية مظلومة في التعليم المغربي بل لا مكانة لها في التوجه العلمي هي مجرد رداء جميل ستروا به قبحا مبينا، عن أي هيمنة للعربية تتحدث وخريجو الثانوية يرتكبون أخطاء إملائية شنيعة، ومنهم من يتتعتع في النصوص غير المشكولة؟ بالله عليك ما ذنب اللغة العربية؟ كيف تُعَيِّر التعليم المغربي بها وهو نفسه لم يعطها حقها؟

هل تظن يا سيدي أن اللغة العربية التي كتبت بها مقالك غير قادرة على احتواء العلوم؟ يسعدني أن أخبرك أنك مخطئ فقد احتوت العربية ما هو فوق العلم، استطاعت أن تحمل خطاب الخالق العظيم ذي العلم المطلق إلى البشرية جمعاء فلن يعجزها بعد ذلك علم إنشتاين ولا نيوتن، لن تعجزها علوم الطب ولا الذرة، فلا يرهبنك التعريب فما هو إلا عودة للهوية لا أكثر، فالمغرب بلد تَعَرَّب منذ قرون، فلا داعي للصيد في الماء العكر فالمغاربة أمازيغ أفارقة عرب، وبلدنا يقع في أقصى أفريقيا فلن تزعزعه العربية من مكانه ولن تمحو العربية أصوله الراسخة فكن مطمئنا.

علمونا ونحن صغار "كاد المعلم أن يكون رسولا" وإنما بُعِثَت الرسل لتُرسي القيم والأخلاق وتنشر العلم الذي يسمو بالعمل، فكيف لك أيها المدرس أن تحدثنا عن تعليم بلا أخلاق؟

تقول يا سيدي إن العربية والدين كان ضرهما أكبر من نفعهما؟ كان الأولى أن تقول يا سيدي إن الركاكة التي تكسو تدريس الدين هي ما يسبب العنف، فالجهل بالدين هو ما يدفع للعنف لا العكس، فمن يعرف الإسلام حقا لا يظلم ولا يجور، هو يعرف حق المعرفة حرمة الدماء، فلا تَحَمِّلوا الإسلام أوزار جاهليه، ثم إنك ناديت بعلمنة التعليم! هو مُعَلْمَنٌ حتى النخاع، المغاربة لا يتتلمذون على يد خطباء الجمعة ولا أئمة المساجد، لم يدرسوا مسائل الإرث في الرياضيات، ولا الإعجاز العلمي في الفيزياء أو الأحياء، ولا السنن اللإلهية الكونية في التاريخ، نحن لم ندرس الدين إلا في حصة الدين، ولم أشاهد حضورا للدين في غيرها! أم أنك تدعو أن تتنصل المدرسة من واجب التوجيه الديني وتترك المراهق يأخذ دينه من الشارع والفضائيات وفقهاء المصلحة؟ هل تريد لمن يفسرون الدين على هواهم أن يجعلوا عقول المراهقين أعشاشا لأفكارهم؟ إن لم تأخذ المدرسة على عاتقها أن تزرع في نفوس أطفالنا أسس الدين السوي ليستطيعوا التمييز بين الدين وما يلفق للدين فمن سيتحمل تلك المسؤولية؟

ثم طالبت بإعادة المكانة للغة الفرنسية! بصفتها ماذا؟ هل بقيت لها مكانة في العالم "لنعيد" لها نحن مكانتها؟ ما علاقتنا بها أصلا؟ هي علاقة مقتول بقاتل علاقة مظلوم بظالم، لغة الاحتلال التي فُرِضت علينا وأُلْزِمْنَاها حتى بعد الاستقلال، وظلت أعناقنا لها خاضعة حتى بعد أن تجاوزتها العلوم وفشلت هي في مواكبة سرعتها، ما محلها من الإعراب؟ صحيح أنك تستمتع بها وأنت تقرأ لـ "فيكتور هيكو" أو "بالزاك" وغيرهم من الأدباء لكنك تجد نفسك مقعدا أعجميا أمام آخر مستجدات العلوم؟ لعل طرحك لإشكالية اللغة سيكون معقولا جدا لو طالبت بالتمكين للغة الإنجليزية وتدريسها بجدية أكبر، بدل أن يدرس المغاربة الفرنسية مدة عشر سنوات عجاف ليكتشفوا فيما بعد أنها لغة أدبية محضة ولا مكان لها في الحقل العلمي.

سيدي المدرس المحترم، لعله ليس مجالي لأناقشك فيه، قد يخول لي الطب لي أن أنقذ أرواحا لكنه لا يخول لي مثلك أن أنقذ أجيالا أوأبني وطنا مختلفا، لقد أحزنني وبشدة أن يصدر مقال كالذي كتبته عن مدرس، عندما يطالب المدرس بالانسلاخ عن الهوية واتباع البلد الذي كان محتلا غاصبا فذلك ينذر بالكارثة، كيف تطالب بإعادة اللغة الفرنسية إلى مكانتها وهي تنال أكبر من حجمها في التخصصات العلمية بل لها حصة الأسد مقارنة بالعربية والتربية الإسلامية اللتان تم إهمالهما قصدا وكأن التوجه العلمي يعني الأمية اللغوية والدينية؟ ربما لو طالبت بإعادة المكانة للغة الأمازيغية لاحترمت طرحك وقدرته لكنك بدلا من ذلك هاجمت العربية ومجدت الفرنسية وجعلتها طوق النجاة في حين أنها حبل المشنقة الذي يلتف حول أعناق كثير من طلابنا.

علمونا ونحن صغار "كاد المعلم أن يكون رسولا" وإنما بُعِثَت الرسل لتُرسي القيم والأخلاق وتنشر العلم الذي يسمو بالعمل، فكيف لك أيها المدرس أن تحدثنا عن تعليم بلا أخلاق؟ إن لم تستطع مدارسنا أن تصنع "إنسانا" يعرف واجباته تجاه وطنه وأمته ويسعى في تقدمهما فلا معنى أن نحرم أبناءنا من طفولتهم ونسجنهم بين جدران المدرسة لنعلمهم أن الحياة مجرد أرقام ومعادن!