لماذا نكتب؟

"على الكاتب أن يؤمن بأنّ ما يفعله أهمّ شيء في العالم، وعليه أن يتمسّك بهذا الوهم حتى وهو متأكّد أنه مخطئ". جون شتاينبك
إنّي أرى أن من بين أسمى الأفعال التي يمكن للبشري الإنسان أن يحقّقها هي الكتابة. إن الكثير مِمَّن يكتبون، يواجهون هذا السؤال الشهير:"لماذا تكتب؟" ولكنهم يدارونه ويتغاضون عن التعرض لهذا السؤال، معتبرين إيّاه آداة إحباط كبرى. وإن حاولوا أن يبحثوا عن إجابات، فإنها غالباً ما تكون إجابات واقعية ودارجة، ولكنها عامة جداً وغير مقنعة، رغم أنهم يقضون عشرات الساعات في الكتابة على آلاتهم الكاتبة وحواسيبهم منعزلين عن الحياة، "ليس كزاهد، هذا لا يكفي. وإنما كمِيّت" كما يقول كافكا. لهذا، قد حاولنا الإجابة عن هذا السؤال: لماذا نكتب؟ وإن السؤال قد ابتُذِلَ بكثرة الطرح والتكرار والإجابات التي لا يمكن لأيّ شخص عاديّ أن يدركها إلاّ مَن مارس الكتابة بشغف، فإننا حاولنا أن نجعل الإجابة وافية وعميقة وغير مبتذلة.

في البداية، إذا كان ما يميّز الإنسان عن الدّابة والحيوان مكانةً سامية، ويُنزلهُ منزلةً أثلية، هو التفكير والتعبير، والإحساس والضمير، فإنّ الكتابة لا تتحقق إلاّ بكلّ هذا أو جلّه مجتمعاً.

ثانياً، إنّ الكتابة تُحقّق الجمال وتظهره. كيف ذلك؟ إنّ أعلى إنجاز للجمال -حسب بومغارتن- ندركه في الطبيعة، ولذلك فإنّ تقليد الطبيعة ومحاكاتها هو من مهامّ الفن السامية، وهذا ما تحققه الكتابة. إننا حينما نرى بعض المشاهد الطبيعية التي تَسْلُبُ العاقل لُبَّه، والناظِر بَصَرَهُ، والمُتَمَتِّعَ روحه، أو عندما نتعرض لموقف أو نسمع قصصاً مؤثرة لأحدهم، أو نتعرف على أناس هم آية في طهارة النفس، ونُقِيِّ الروح؛ نقول "أووه" سرّاً أو جهراً، لفيضِ قلوبنا من روعة ما نرى ونسمع ونُحِسّ، وكأنّ الله أضفى جمالاً إلهيّاً على الكون. وقد نحاول تحويل تلك "الروعة" و"الجمال" وترجمتها إلى كلمات مكتوبة لنَجعلَ منها فكراً أو فنّاً. فيبدأ في استنظام وصفها شعر الشعراء، وبلوغها أدبُ الأدباء، فتكتسبُ الكتابة حينها جلالها وجلاءها، وتُحقّق هدفها.

يقول كثيرون، بل جميع مَن كتبوا ويمارسون الكتابة، أنه لا لذة تضاهي لذة الانتهاء من نص حقيقيّ، أو حتى لذة كتابته، رغم الألم والإجهاد، لولا هذه اللذة لهجر كثيرون الكتابة.
 

وإن لهذا الأمر، وجهاً جزئياً آخر: فقد تغدو الكتابة في الحالات المماثلة وسيلة للتقرّب من الخالق: لأنّك حينما تُترجم الجمال الرباني شبه المطلق الماثل في "الطبيعة" عموماً، فذلك فيه لـ"الله" شكرٌ على ما أوتينا من سَوابِغِ نِعَمِهِ، وبَدَائِعِ خلقه.

ثمّ إننا إذا تقدّمنا في الزمن، واتجهنا إلى نظريات جمال أخرى مختلفة كل الاختلاف عن نظرية بومغارتن، فإننا سنتجه إلى نظرية بيورك مثلاً، الذي يَرى أنّ ما يكوّن هدف الفنّ السّامي هو شعور "حبّ البقاء"، والشعور "بالاجتماعية" فإنّ الكتابة بلا مراء هي باعثُ هذين الشعورين: فما كتب امرئٌ إلاّ وبَقِيَ اسمه بعد موته، وذاع فكره وأدبه في المجتمع. ونجد هذه الفكرة لدى جورج أورويل في مقال شهير كتبه في هذا الموضوع، أخذ يسرد فيه الدوافع التي دفعته للكتابة يقول:"الدافع الأول: حبُّ الذات الصِّرف: الرغبة في أن تُذكَرَ بعد الموت.."

ابحث عن المتعة بحكمة. وأيُّ متعة حكيمة غير متعة الكتابة والأدب، وأيّ حكمة أبلغ من حكمة الكتابة وعوالم الأدب. فلماذا إذن، لا تكون الكتابة هي أسمى الأفعال التي يمكن للمرء تحقيقها.

أمّا بالنسبة إلى "الشعور بالاجتماعية"، فذلك واضح جداً. إنّ أيَّ عمل أدبي ما إن يُنشَر حتى يُصْبِحَ مُنتمِياً للقرّائه وليس لمؤلّفه. لقد كتبَ الشاعر الانكليزي ويليام بتلر ييتس معبّراً عن مشاعر مألوفة (مرثيات في ذكرى رفاق وأصدقاء دافعوا عن الوطن، تضرع من أجل ابنته..) ولكنه لا يقف هنا، وإنما يحيا الشعر عبر ما يُطلَق عليه في التحليل النفسي "الانتقال": حيث يعاد تمثيل تأثيره عن طريق القراء الذين لا يعرفون الكاتب شخصياً. وإننا إذا امتثلنا مثالاً ثانياً قصدَ تقريب المعنى وتوضيحه، فنقول مثلاً: يكتب شكسبير قصيدة في الحب، ولكنّك عندما تقرؤها لمحبوبتك فهي تستسلم تماماً لمشاعر غير مألوفة -مشاعرك ومشاعر محبوبتك- وتتّخذ كلمات رجل مات منذ قرون قوالِبَهَا الحيّة في أحشاء الأحياء (القرّاء). وعليه، فإنّ المعنى حسب وجهة نظري، أوسع من أن يكون مجرد شعور بالاجتماعية، خاصة بعد الوفاة. وإنما هو أوسع وأعمق من ذلك بكثير.

وفي نظرية ثالثة وأخيرة، وهي ليوهان فيخته، فإنّه يَرى أن إدراك الجمال يأتي في الصيغة التالية: إنّ العالم له جانبان: أنه حصيلة محدوديّتنا وحصيلة "نشاطنا الحرّ"! ففي المعنى الأوّل، العالم محدود: فكلّ جسد محدود، مقلّص، مشوَّه ومنكمش. ونحن نَرى القُبحَ والتشوّه. أمّا في الثاني: فهو حرّ. ونحن نَرى الكمال الداخلي، والحياة والانبعاث، ونشاهد الجمال. وعليه، فإنّ علاقة الجمال لا تكمن في الأشياء الخارجية، إنّما في وجود الروح. ولكن كيف الطريق إلى مشاهدة الجمال مادامَ داخليّاً، كامناً في الروح؟ إننا نشاهده بوَسَاطة الكتابة، لأنّ الكتابة ماهي إلاّ تعبير عن صوت داخلي حر في روح الكاتب، فيتحقّق الجمال.

يقول كثيرون، بل جميع مَن كتبوا ويمارسون الكتابة، أنه لا لذة تضاهي لذة الانتهاء من نص حقيقيّ، أو حتى لذة كتابته، رغم الألم والإجهاد، لولا هذه اللذة لهجر كثيرون الكتابة. وبحسب أبيقور الذي كانت غاية فلسفته الوصول إلى حياة سعيدة وتحقيق السعادة عبر لذة ممارسة الفضيلة. صَدَقَ أبيقور، فحين تُصبِحُ الكتابة لذة، واللذة هي الخير الأسمى كما تأوَّل أبيقور، ولا تتحقّق تلك اللذة إلاّ بممارسة الفضيلة، فما بالك لذة الكتابة حين تكون هي نفسها لذةً وفضيلةً في الأَوْنِ نفسه، وأيّ فضيلة هي الكتابة!. إن المفاهيم الإبيقورية الأساسية لتحقيق هذه الحياة السعيدة تقول: أولاً لا تخف من الآلهة. ولكن، كما عرضنا آنِفاً، إذا كانت الكتابة تقربنا من الله، فأيُّ خوف هو؟ ثانياً، لا تخف من الموت. لِمَ يخاف الكاتب وهو خالد إسمه وفكره ومشاعره وبناتُ أفكاره ولو بعد موته؟ ثالثاً، لا تخف من الألم. وعلامَ يخاف الكاتب من الألم ولذة الكتابة تُنسيه كل ألم. رابعاً، عش ببساطة. أما بالنسبة إلى هذه النقطة، فهي محسومة بالنسبة للكاتب والأديب. لأن الأديب نوعان:
-الأديب المزيّفُ: وهو الذي ينتمي إلى الخاصة (مثل الصاحب بن عباد مثلاً). أو يُصبح واحداً منهم فيما بعد.
-الأديب الحق: وهو أديب ينتمي إلى العامة.

أما المفهوم الخامس يقول: ابحث عن المتعة بحكمة. وأيُّ متعة حكيمة غير متعة الكتابة والأدب، وأيّ حكمة أبلغ من حكمة الكتابة وعوالم الأدب.
فلماذا إذن، لا تكون الكتابة هي أسمى الأفعال التي يمكن للمرء تحقيقها، إذا كانت تسمو به عن غيره من الكائنات، وتقربه من خالقه، وتحقّق الجمال والسعادة؟.



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

قال الأستاذ المساعد في جامعة العلوم الصحية التركية ألب أرسلان تان أوغلو إن تناول كمية تتراوح بين مئتين وثلاثمئة غرام من لبن الزبادي المنزلي يوميا يسهم في الوقاية من السرطان.

هبطت الأسهم العالمية بعد الهجوم الذي وقع في مدينة برشلونة الإسبانية أمس الخميس وبعد تزايد الشكوك في الولايات المتحدة بشأن قدرة الرئيس دونالد ترمب على تنفيذ أجندته الاقتصادية.

الأكثر قراءة