لا تخلط بين الدين ورجاله!

كنتُ في الخامسة عشر تقريبًا عندما وقع بيدي كتابٌ لشيخٍ وهّابيٍّ له ثقله ومكانته، هممت بفتحه وتصفّح أوراقه، بدأت القراءة سريعًا ثم أبطأت فتوقفت، وكان نفوري يزداد تجاه الكتاب والكاتب!
 
ما قرأته كان سؤالًا قليلَ الكلمات، وإجابةً شديدةَ الوقع؛ يُسأل الشيخُ: «أيهما أفضل للمرأة المسلمة: الزواج أم الدراسة؟»، فيُجيب إجابته التي بعثرت فِكري وأرّقت مضجعي. بدأ يسرد إجابته التي كانت تأتيني بصوتٍ بعيدٍ ثقيل، ولا أُخفيكم سرًّا فقد بدأت نفسي تُحدِّثُني: فلنُلقِه بعيدًا!
 
لكنّي أكملت على أيِّ حال، أخبرني أنّه لا بأس أن تُكمل تعليهما إلى أن تتعلّم القراءة والكتابة، ولا فائدة مرجوّة بعد هذه المرحلة؛ فلتترك التعليم وتتولّى أمُّها تعليمها أصول وفنون طهو الطعام وكيّ القمصان، وتنظيف السجّاد والأرضيّة والصحون.

  

ثم عليك بتعجيل زواجها؛ درءًا للفتنة وعملًا بالسُنّة. فإذا فعلتْ ذلك، وأطاعت زوجها، وحفظت بيتها، وأنجبت وربَّت أبناءها، كانت أُنموذجًا للمرأة المثاليّة المسلمة التقيّة، وليس عليها من المهام شيءٌ آخر، أو من الهموم ثقلٌ جديدٌ. ومثل هذا كثيرٌ من التهميش المتعمّد، والحصر المتشدد، والحديث المُثير للسُّخرية، والآراء الداعية للشفقة، والكلمات المحسوبة على الدِّين.
 

مع مرور السنين، وكثرة التفكير، بدأت في الشد والجذب مع نفسي، إلى أن اطمأننت لهذا القول: لا تخلط بين الدين ورجاله، كما بالضبط لا يُمكنك الخلط بين الإسلام وأهله

مَرَّ على قراءتي لهذا النصّ خمس سنوات، كانت كفيلة بمحو كثير ممّا ورد فيه، لكن هذا كان ممّا علق في القلب، وترسّب بجدار الذاكرة. أحسست حينها أن هناك شيئًا خطأً يحتاج إلى تصحيح، إمّا فيه أو في أنا، وذهبت حينها أني المُخطئة الضَّالة الواجب عليها الرجوع والتوبة، فدعوت الله بالهداية.
 
ومرّت الأيام، وكل يومٍ يمر أسمع صوتًا ناقمًا ناقدًا يعلو داخلي، كان يصيح في: هذا ليس بدين، وهذا ليس بشيخ. أُجيبه أن يخرس، كيف يتحدّث عن علّامة كبير السن والمقام بهذه الفجاجة والوقاحة! لستُ أعلم منه ولا أُساوي قطرة في بحر علمه الواسع.
 
وبالنسبة إلى فتاة صغيرة، كنت لا أفرّق بين رجال الدين والدين؛ فالاثنين عندي سواء، وما يخرج من فم الشيخ هو بالضرورة يُرضي الله، فكيف لشخص يحدّثك ثم يُنهي حديثه بآية قرآنية مصداقًا لكلامه -وقد يذكر اسم السورة مع رقم الآية اعتمادًا على ذاكرته-، أو بحديث نبويّ شريف يحفظ سنده ومتنه، كيف لكلامٍ مثل هذا أن يُخالف الدين!
 
وكنت أرتضي أن غاية الإسلام من المرأة هي أن تُستَر وراء حُجُبٍ كثيفة، تتزوج، تلد، ثم تموت.. وأن أي فعل خارج هذا السياق يُعدُّ شذوذًا، وأن أي فعل يخلو منه يعد حرامًا، وكان شيخنا وغيره ممّن على شاكلته يُرسّخون فكرتي تلك بعقلي، لكنّه أَبَى!
 
وبمرور السنون، أُضيف لعقلي أشياء وحُذفت أشياء، وبدأت أرى أن رأيه يحمل شططًا كبيرًا ويُعدُّ جورًا عظيمًا. وكما يبدو، كنت في حال شدٍّ وجذبٍ مع نفسي، إلى أن اطمأننت لهذا القول:
 
لا تخلط بين الدين ورجاله، كما بالضبط لا يُمكنك الخلط بين الإسلام وأهله. 



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

يشهد المجتمع السعودي في السنوات الأخيرة مظاهر كانت تعتبر من المحظورات والمحرمات، بسبب العادات والتقاليد، وبسبب فتاوى الشيوخ وعلماء الدين. وترتبط في معظمها بالمرأة.

الأكثر قراءة