قَلبٌ تَعَلَّقَ فهَوَى

لمّا كان التعلُّق هو تَمكُّن الحُبّ من القَلب، فهو يخرج من إطَار العواطِفِ إلى سُلوك المرء، والحبّ أمرٌ فطريّ جُبلت عليه النّفوس، لكن الإفراط فيه كما يثير القلب والأحاسيس فهو يُذهِبُ أيضًا العقلَ ويَعبثُ به، فيغدو المُحبّ كأنّه بلا عقلٍ يحكّمه، إنّما تقُوده العاطفة، فينجرّ إليهَا جرًّا.

وبالطّبعِ لستُ في صددِ الحديثِ عن ظاهرة الحبّ بين الجنسيْن، بل هناكَ أزمة تربوية مؤثرة أكبر تواجه الدعاة والمربّين فتقيّدهم وتُعيق عملهم، ألا وهي تعلُّق المَدعوّينَ بهِم وارتباط النَّاسِ بأشخَاصِهم، والدَّورَانِ في فُلكِهم، وهي أزمة سادت كافة الأوساط والجماعات فلم تقتصِرُ فقط على الجماعات الإسلاميّة.

إنّ هذه الأزمة التربويّة قد أدت إلى مشاكل كبيرة، وتراجعًا رهيبًا في العمل الإسلامي، ومن ذلك الانشقاقات الحزبيّة بناءً على رأيٍ مخالفٍ فقهيّ كان أو دعويّ أو لرغبة في منصِبٍ، وظهور العصبيَّات الدينيّة، حتّى لو كان الأشخاصُ متّفقين على شتّى الأصول وجميع المبادئ وفرّقهُم رأيٌ واحد.. ففُتحت بذلك مداخِلُ الشّيطان ونشَأت العَداوَة والأحقَاد بين أصحاب تلك التحزُّبات، وللأسف كثيرًا من الفُضَلاء اليوم قد سقطوا في هذه الهُوَّةِ السَّحِيقة، وصاروا طرفًا في ذلك النزاع!

تجد الفرد المتربّي متأثرٌ بمربّيه، معجبٌ به، لا يرضى بديلاً غيره، يقلّده بأفكاره وتصوّراته وتصرّفاته، يتبعه بقراراته ومُيولاته مهما كانت، ولا يُحكِمُ عقله، وكأنّه أسلم قياده غيره بغير تدبّرٍ أو بصيرة
 

مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ إمَامَهُ

ولمّا كانت كلّ دعوة تبدأ بشخصٍ يدعو النّاس لفكرتِه، فإذا ما تعلّقوا به اقتنعوا معه بالفكرة وعلى قدر قوّة تأثيره فيهم تُبلّغُ دعوتُه.. وليس في الارتباط بالدّعاة والعُلماء ضررٌ دائمًا، بل هو أمرٌ طبيعيّ يحدث بين قلوب المدعوّين والدّاعية النّاجح ذي الشخصيّة الآسرة، إنّما الضّرر يكون في الإفراط في التعلُّقٍ بهم، فالعلاقة بين الأتباعِ والدّاعية في بداية الطّريق أشبه بعلاقة الأطفال بمن يُربّيهم تمامًا، في وجوده الأمان من كل مكروه، وفي غيابه الضياع والتيه، يحنون إليه كما يحن الفصيل إلى أمّه.

فتجد الفرد المتربّي متأثرٌ بمربّيه، معجبٌ به، لا يرضى بديلاً غيره، يقلّده في أفكاره وتصوّراته وتصرّفاته، ينتظر الكلمة والإشارة من فمه، فكلُّ ما ينطق به صَواب، وهو في ذلك يتبعه في قراراته ومُيولاته كما يتبعه في توجُّهاته وسلوكيَّاته مهما كانت، ولا يُحكِمُ عقله، وكأنّه أسلم قياده غيره بغير تدبّرٍ أو بصيرة ولو لمدة من الزمان.

ومن أضرار هذا التّعلق أيضًا أنّه قد يُوقٍع المرء في الشّركِ دون علمٍ، وأقصِدُ بالشّركِ: شِركَ المحبَّة وشركَ العبادة. فشركُ المحبّة بأن يُشرك الشّخص حبيبهُ في أهمّ عبادات القلب التي تُصرف لله تعالى وحده! وبالتّالي يزيّنُ له الشّيطان سوء عملِه في قلبِه، وقد يُلبِسُه رِداء المحبَّة في الله، وشتان بين هذا وذاك. وشركُ العبادة كما ورد في قوله تعالى: "اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ"، لم يعبدوهم ولكن كانوا يُحِلّون لهم ما حرم الله، فيستحِلُّونه، ويحرمون عليهم ما أحل الله، فيحرمونه، فتلك عبادتهم لهم. فيكون بذلك التّعلّق بهم في الطاعة والمعصية فلا يطيع إلا بتقليده وإذا عصاه أو غفل قلّده في عصيانه أو في غفلته!

فإذا كان الدّاعية المربّي على خلافٍ شخصيّ مع أفراد حركته، بدر منه من التصرّفاتِ الصبيانيّة المقيتة والتي لا تمتُّ للدّعوة والمنهج بأيّ صلة، فجعل من متربّييه دمى يقودهم كيفما شاء ووقتما شاء، يحشو عقولهم بأفكارٍ مسمومة، يحرّضهم ويدفعُهم للتمرّد والعصيان، فيمتثلون لأوامره، دون تمحيصٍ أو بحثٍ عن الحقيقة، وقد تكون هذه الطّاعة العمياء، نتيجة لعلاقة تربطهم به، كقرابة أو صداقة أو أن يكون هو سبب تعرفهم على الدّعوة وانتظامهم فيها، وفي هذا يقول عزّوجل: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمَانِ ۚ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ"، فالحق يكون في اتباع المنهج الرباني، لا طريقة العبد الغوي. ولو حاولت أن تردّهم عن هذا فإنّهم يعودون بأيّ شكلٍ من الأشكال، كأنّهم أطفال يلوذون بأمهم، لا يجيدون التصرف وحدهم… نعم، إنهم أطفال كبار!

ولمّا كان منهجُنا نحن كإخوان مسلمين قائمٌ على فكرة إسلاميّة بحتة، كان الفرد يكبر بمقدار تمثله الفكرة وتمسّكه بها. وبالتّالي يفقد من وزنه ومكانته بمقدار ما ينأى عن الفكرة التي التقينا عليها، أو بتناقضه معها، ومن هنا فإن التعلق لا يكون بالأشخاص وإنما بالفكرة، فكان هذا الفهم ما يحمي الدعوة من تقديس الأشخاص. وهذه القضية واضحة في القرآن الكريم. فهذا سيّدنَا عيسى عندما قال للحواريين: "قَالَ مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللَّهِ ۖ "، كان الجواب من الحواريين: "نَحْنُ أَنصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ"، فنُصرةُ الحواريّين لعيسى -عليه السّلام-ليست نصرة لذاته، بل لما يحمله من منهج أرسله به الله إليهم، وليس فيها أيُّ انتقاص للنبيّ عيسى -عليه السّلام-. ورسوخ هذا المعنى لدى الجماعات الإسلاميّة، يحافظُ على وحدة الصفّ في حالة ما اهتزّ إثر سقوط رمزٍ من رموز الجماعة أو فصل آخر.

لَحظَةُ الفُطَام

إنّ أصعب فطامٍ عاشتهُ الأمّة الإسلاميّة، كان يوم توفي الرّسول ﷺ ورغم ذلك لم يفشلِ الصّحابة ولم تضعفَ عزائمهم وكأنَّما أراد اللهُ بهذه الحادثةِ أن يَفطِمَ المسلمين عن تَعلُّقِهم الشَّديدِ بالنَّبيِّ، وأن يَصِلَهم مُباشَرةً بالنَّبعِ

لمّا كانت علاقة المتربّين بالدّاعية في بداية المشوار أشبه بعلاقة الطّفل بأمّه، كان لابدّ لكل مدعو من لحظة فطام، لحظة عسيرة على كلا الطّرفين، وعلى الدّاعية أشدّ، فقد قرّر أخيرًا أن يتخلّص من الهالة التي أحاطهم بها، وهو صاحب قرار الفطام، يحدّد وقته وكيفيّته، ويُخلّصهم من عبوديّتهم له، وتقديسهم لشخصه، وأن يتخلَّص من التصديق التام لكل ما يقول، ومن الثورة على مخالفيه، وينقلهم إلى مرحلة التعلّق والارتباط الوثيق بمنهج الدّعوة والجماعة، وهذا هو الدّاعية النّاجح، الذي تستمرّ الدعوة من بعده، سواء عند رحيله أو حتى نكوصه عن دعوته، وقمة فشله تكون في استمرار أتباعه في حذو طريقه وإن كان معارضًا لما كان ينادي به أولاً. 

والأمر الذي لا شكّ فيه أنّ أصعب فطامٍ عاشتهُ الأمّة الإسلاميّة، كان يوم توفي الرّسول -صلَّى اللهُ عليه وسلَّم-، ورغم ذلك لم يفشلِ الصّحابة ولم تضعفَ عزائمهم من بعده، قال تعالى: "وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ ۚ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ ۚ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا ۗ وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ"، يقولُ سيِّد قُطْب مُعلِّقًا على هذه الآيةِ: "وكأنَّما أراد اللهُ بهذه الحادثةِ وبهذه الآيةِ أن يَفطِمَ المسلمين عن تَعلُّقِهم الشَّديدِ بشخصِ النَّبيِّ وهو حَيٌّ بينَهم، وأن يَصِلَهم مُباشَرةً بالنَّبعِ، النَّبعِ الَّذي لم يُفجِّرْه هو ولكنْ جاء فقطْ لِيُومِئَ إليه ويدعوَ البشرَ إلى فيضِه المُتدفِّقِ كما أَومَأَ إليه مَن قَبْلَه من الرُّسلِ!"

 

الدّعوة محفوظة
قال عبد القادر عودة رحمه الله: "إنّها دَعوةُ الله وليسَت دَعوَة أشخَاص، وإنَّ الله علّم المُسلمِين أنَّ الدَّعوة تَرتبِطُ بِه ولا تَرتبِطُ بالدُّعاةِ إليهَا، وأنَّ حظَّ الأشخَاص مِنهَا أنَّ مَن عَمل لهَا أكرَمَه الله بعَمَله، ومَن تَركَ العَمل لهَا فَقد أبعَد الخَير عن نَفسِهِ، ومَا يَضرُّ الدَّعوة شيئًا".

وعليه، فلا يصح اعتبار رجل عيارًا على المنهج، فلا وجود للذات أمامه، بل تموت كل ذات ولا يُمَسُّ هو بسوء. ثمّ لا بد لنا أن نقدر الأمور بقدرها الشرعي، ونضبطها بالميزان الإلهي وسنّة النبيّ لقوله عليه السّلام: "تركت فيكم ما أن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي كتاب الله وسنّتي"، وألا نغلو في الأشخاص، لأنّهم يموتون ويقتلون والله باقٍ والدّعوة مستمرّة.



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

الأكثر قراءة