عين على طلاب الجامِعة!

حالنا لا يَسُر، الوضع إلى سوءٍ، إلى انحدارٍ أخلاقي، وانفلات مُجتمعي، إلى شبابٍ يُغيب، وعقولٍ تُغلّق، إلى هِوية تُطمث، ولغةٍ تُفكك، تلك هي الحال التي آلت إليها الجامعة في مصر معظم الأوقات، تشيع فيها التفاهات كالبرق وتجد من يستقبلونها ويستزيدون في نشرها، وتُطفأ فيها ذُبالة كل نافعٍ ينشر النور، دينيًا كان أو ثقافيًا أو دراسيًا، إلى أين؟ وكيف هو الوضع؟ هذا ما ترصده كلماتي بصفتي طالب جامعي.

             

هل دخلت جامعة مصرية من قبل؟ إن كانت الإجابة لا، فدعني أرسم لك الصورة بالكلمات، ستجد أول ما تفتح عينيك، أزواجًا من البنين والبنات تتمشّى وتتخايل في كل مكان، ومِن بينهم قِلة مُفردة وحيدة لا تكاد تتبينها، ستُقابل من يُطلقون على أنفسهم الأشباح -أي من يملكون زمام الأمور بين الطلاب- وهم جمعٌ يسير في غير هدوء، يجلب الضجة والألفاظ البذيئة أينما حل، كأنها التصقت بهم لما كانوا لها ملجًأ وحصن استمرار، وإن سولت لك نفسُك ودلفت تنصحهم وتدعوهم للصواب، فهو الأذان لتقام عليك حفلةٌ من السخرية والاستهزاء،

ثمة شباب يألفون مسجد الجامعة ولا يفارقونه في أي صلاة، ثمة أصحاب من البنين والبنات يجمعهم عمل الخير، والصالحات، يجمعون التبرعات لمن يحتاج

ستُقابل الشلة أيضًا، وهم عدد لا يتجاوز العشر أشخاص بنات وشبان، يسيرون معًا يغلب على منظرهم العام الضحك واللهو، وربما يحمل بعضهم كتبًا ولا يقرأها، يعتقدون أنهم محور المكان الذي يتجمعون فيه، هم العلماء ومن دونهم الجاهلون، هم السادة وغيرهم العبيد، نعم آل الوضع في الجامعات إلى أن تحتقر الشلة الأخرى وتفعل ما يؤكد ذلك هذا شيء من الوضع كما أراه كل يوم.

           

ستجد المساكين من الفتيات اللاتي أراهن راشدات كفاية ليعلمن أن هؤلاء الشباب الذين يسيرون معهن كل يوم في الجامعة إنما يضحكن عليهن، ضحك الوالد على طفله بالحلوى، تجد الشاب يتأبط ذراع الفتاة ويجول بها مشارق الجامعة ومغاربها أمام الجميع، دون خشية أو حياء، ولما لا فهو يعلم وهي تعلم أن كلًا منهما يتسلى بالآخر وأن الشاب خصوصًا سيتركها ولن يرضاها لنفسه عروسًا، وأمًا لأطفاله كيف وهي من رخصت نفسها بنفسها كما يرخص العبد نفسه للسيد؟

              

حسبكِ -يا فتاة- نفسكِ وصيانتها، أتكون الفتاة ملكة بغير حفاظٍ على نفسها وصيانة لكرامتها! احذري ذئاب الجامعة الذين يتلصصونك بالكلمات الرقراقة والنظرات الخداعة، إنما هو يريدك تسلية لوقته وتنفيسًا لملله وفشله، أسوق لكم قصة من الواقع، شاب ينشر صوره وأصدقائه الفتيات دون حرج على فيسبوك، وهن لا يمانعن، ثم ماذا؟ فلمّا أراد أن يخطب للزواج، خطب مُنتقبة مُلتزمة، العبرة هنا شعور مُقذذ، كيف أباح لنفسه هذا؟ كيف ارتضاه؟ لا يهم -فحقيقة- الشباب معظمهم ذئاب بشرية، يصطادون الفريسة الصعبة، ثم ما إن تلين، يتركونها كما يترك الطفل اللعبة التي كان سيموت من البكاء عليها. فعِي الأمر جيدًا، ولا تقعي في شباك واحد منهم، حتى لا تعودي مُنكسرة خاسرة، تكفكفين دموع الندم التي لا تقف.

         

هذه هي الجامعات المصرية، ضياع وإبهام، فشل وتأخر، انحطاط أخلاقي، وضياع ديني وثقافي، كل شيءٍ يؤول لغير موضعه، وكل حق يذهب لغير صاحبه

ستجد الأسر والأنشطة الطلابية التي دائمًا ما تصب في بحر التقليد والتكرار، فما حدث العام الماضي هو جديد العام الحالي، فقط تتغير الوجوه وتتبدل الكلمات، لكن نهاية الخبر واحد، يلصقون الشعارات، يروجون لاسم كيانهم، ويطلقون الوعود التي لا تُنفذ -ككل عام- ثم ماذا؟ يخترعون أي نشاط في يوم محدد لا يُسمن ولا يغني، ليلطقتوا الصور التي سينشرونها على مواقع التواصل الاجتماعي، فتنتهي المهمة عند آخر صورة تلطقتها الكاميرا.

             

ستجد مواهبًا دفينة، هذه ترسم وتلون جيدًا، وهذا يكتب بأسلوب جديد، وتلك تمتلك حنجرة ذهبية، والأخرى تمتلك ذوقًا فنيًا عالٍ في التقاط الصور، والخامس ينشد الشعر ويحفظ أصعب القصائد.. إلخ، ثم ماذا؟ يقعوا تحت طائلة الدراسة، والفرص غير الموجودة، ويُنسوا ويَستعمر فيهم الصمت كما يستعمر الصدأ في الحديد. هذه هي الجامعات المصرية، ضياع وإبهام، فشل وتأخر، انحطاط أخلاقي، وضياع ديني وثقافي، كل شيءٍ يؤول لغير موضعه، وكل حق يذهب لغير صاحبه، وليس ثمة من يسمع، ولا من يفهم ويعي، فالكل يخضع لقانون البقاء الذي يحدده الأقوى، والأقوى هنا دائمًا على باطل، لا يرى إلا نفسه.

        

غير أني لا بد وأن أذكر حلو الجامعة وجميلها، فثمة فئة تنشر الأمل والخير والابتسامة في كل مكان، فئة فيها من الفتيات كُثُر يتأدبن بآداب الإسلام القويمة، ويتأسين بأمهات المؤمنين، قولًا وعملًا، ثمة شباب يألفون مسجد الجامعة ولا يفارقونه في أي صلاة، ثمة أصحاب من البنين والبنات يجمعهم عمل الخير، والصالحات، يجمعون التبرعات لمن يحتاج، للمنظمات، هم قلة نعم لكنهم، أشبه بشمعة مُشتعلة في بلدة يُغرقها الظلام، طابوا حقًا وطاب دربهم أينما حلوا وارتحلوا، فهم آخر حبال النور، وضياء الخير.



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

قالت وكالة أنباء أراكان إن حكومة بورما (ميانمار) شكلت مجموعات لجمع جثث قتلى مسلمي الروهينغا ودفنهم بمقابر سرية بعيدا عن أماكن قتلهم على يد الجيش شرق مدينة راسيدونغ وغربها.

قال مراسل الجزيرة إن ناقلات النفط والغاز بمعبر بَشِمَاخ تتكدس بعد حظر طهران حركة الناقلات مع كردستان العراق ردا على إجراء الاستفتاء، ورفضت أربيل طلب بغداد تسليم المعابر الحدودية.

تمكنت قوات خفر السواحل التونسية من إنقاذ 98 مهاجرا كانوا يبحرون باتجاه أوروبا عندما كان مركبهم يغرق، في حين أعلنت البحرية إحباط هجرة 43 على متن أربعة قوارب قبالة سواحلها.

الأكثر قراءة