عذرًا لقد أخطأت القناة يا أمي!

جلست كالعادة بوعي غائب أشاهد تقلب القنوات العربية أمامي، وأمّي البدوية البسيطة تبحث عن القناة التي تربطها بالتراب والهوية، وقد تأتى لها ذلك بعد ضغطتيْ إبهام أو ثلاث، والمحصّلة برنامج تنافسي في الطبخ المغربي، تحت يافطة "ماستر شيف المغرب"، "مغاربة على الأقل يعرفوننا ونعرفهم"، هكذا قالت البدوية الفاضلة مبتسمة! وبعد أزيد من ساعة ونصف من استحضار الوعي، تأكدت بلا تمحلات ومداورة أعناق الكلام أن البرنامج موجه لعشرين من المائة فقط من الشعب، أما البقية فلا تعرف مطابخهم البسيطة إلا ثلاث أطعمة رخيصة أو أربعة على الأكثر، وطبعا، دون تكلف اللعب بالشوكة وبالسكّينة. 

سأعود إلى القرن الثامن عشر، مستحضرا موقف ماري أنطوانيت زوجة لويس السادس عشر، ملك فرنسا من الشعب الثائر أمام قصر فيرساي، ضد الفقر والجوع والضرائب التي أثقلت كاهل البسطاء وأحرقت جلودهم، ماري التي استغربت من تصرف هذا الحشد الشعبي الهائل "الهمجي" -بتعبيرها- والذي لا يمت بأدنى صلة للفرنسيين العارفين بقواعد البرستيج والإتيكيت! غافلة عن الجوع الذي تتكسر أمامه كل القوانين والأعراف البشرية، مستهزئة بهم في آخر المطاف بقولتها الشهيرة: "إن عَدِمَ الشعبُ الخبزَ فليأكلوا البسكويت!".
على من تفترون كذبكم وأوهامكم؟ على القنوات الفضائية الأخرى، نافخين ريش الطاووس أمامهم، مدعين أن الشعب المغربي يعيش عيشة آدم في الجنة قبل استخلافه في الأرض؟

لا تهمني القصة بقدر ما تهمني وقاحة ماري التي أخطأت تقدير الواقع وقراءته قراءة سليمة. أولا لأنها تجهل معنى الفقر والجوع قطعا كونها انتقلت من بلاط النمسا إلى بلاط فرنسا، ثانيا لأنها تهرف بما لم تكن تعرف، ظنا منها أن البسكويت أخفض سعرا من الخبز، وثالثا كونها تناست أن ما انغمست فيه من شهوات البطن كان من ضرائب حفنة الصراصير تلك.. ومن هنا أعود إلى القرن الواحد والعشرين، وإلى وقاحة تلفزيون الواقع _ كما يهرطقون _ حيث ادعى مقدّمو البرنامج الذين أفنوا سنيَّ أعمارهم في الدول الأوروبية أن المنافسة ستكون بإعداد أطباق مغربية تفوح منها رائحة أصالة وهوية البلد، بيد أن البرنامج لم يكن إلا ليرهب البسطاء نفسيا وليسيل لعابهم، كما لم يكن إلا ليُعَرِّفهم على مأكولات لم ولن يحلموا يوما أن تلمسها ألسنتهم سوى إذا أنزل الله مائدة أخرى من السماء، أو إذا تيسر لأحدهم أن يُدعى لمائدة أحد أغنياء أو وجهاء الشعب، وكلا الأمرين مستحيل!

فعلى من تفترون كذبكم وأوهامكم؟ على القنوات الفضائية الأخرى، نافخين ريش الطاووس أمامهم، مدعين أن الشعب المغربي يعيش عيشة آدم في الجنة قبل استخلافه في الأرض؟ أم على أصحاب المسؤولية والقرار، ليعلموا وليتأكدوا أننا في رفاهية من عيشنا، نأكل أفخر الأطعمة ونركب أفخر السيارات ونتقدم تصنيف الدول الأكثر رفاهية وسعادة؟ أم على عميان الشعب، أولئك الذين يسهل أن تنطلي عليهم الحيلة إلى حد كبير؟

هلا بحثت يا أمي عن قناة تناسب أسمالنا المهترئة والمرقعة في أحسن الأحوال، مرآة تناسب قوانيننا غير المعقدة المجموعة في دستور من صفحة واحدة التي تمنحنا الحق والعدالة والإنصاف

إميل دوركايم في كتابه "التربية الأخلاقية" يقول: "ضميرنا الأخلاقي لم ينتج إلا عن المجتمع ولا يعبر إلا عنه"، فكذلك على الأقل ينبغي أن تكون البرامج التي يفترض بها أن توجه إلى الطبقة الأدنى من الناس، أن تعبر عن المجتمع بكل تفاصيله المادية والمعنوية، ولا تستهدف إلا فئة النخبة الغنية التي تتحدث لغة غير لغة الغالبية وتلبس لباسا غير لباسها وتأكل طعاما غير طعامها.. وتدعي بملء بهتانها بعد ذلك أنها برامج تحترم أذواق المشاهدين!

إن الهوة الواسعة التي صنعتها النخبة بينها وبين البسطاء من الشعب جعلت الطرف الأول يجهل كل شيء تقريبا عن أحوال الطرف الثاني، تفاصيل حياته اليومية من مأكله ومشربه ومركبه وسقف أحلامه وطريقة تفكيره وأمور شتى.. حتى إن النخبة تظن أن قوانين مجتمعها المغلق هي قوانين الكون بتعبير الأديب برنارد شو. وما دامت الجسور مغيبة بين الطرفين، فالمجتمعان سيبقيان معزولين ثقافيا كما عُزِلا اجتماعيا. وهنا ومن المنطقي إذن أن تغيب الحقيقة بينهما وتغيب ما أسماها مارتن هايدغر "لغة الوجود المشتركة".

فكما سقطت شاعرية الشاعر الكبير أحمد شوقي في تصوير معاناة الطبقة المصرية الفقيرة خلاف مجايليه الذين خبروا وذاقوا من الفاقة الكثير، سقطت عبارة ماري أنطوانيت في قمامة التاريخ، وكذلك ستسقط كل صورة ملونة بألوان فاقعة لا تعرفها عيوننا المهيأة لاستقبال الألوان البسيطة فقط، كما ستتحطم كل الشاشات المتعالية على تضاريس الواقع والمنطق، أما الكذب ما هو إلا حقيقة أُجِّلَ جلاءُها وظهورها إلى حين، وكما قال فريدريك نيتشه: "لا يؤسفني أنك كذبت عليّ، ولكن يؤسفني أنني لن أصدقك مرة أخرى".

فيا أمّي الفاضلة، هلا بحثت عن شاشة تعرفنا ونعرفها تناسب تجاعيد وسُمرة أوجهنا، مرآة تناسب خبزنا الحافي الأسود المدهون بقطرات من زيت الزيتون، والمبلل بقطرات من الشاي،مرآة تناسب أصابعنا المغطاة بتراب زقاقنا البسيط، مرآة تناسب أكواخنا غير المسقوفة، تناسب أسمالنا المهترئة والمرقعة في أحسن الأحوال، مرآة تناسب قوانيننا غير المعقدة المجموعة في دستور من صفحة واحدة التي تمنحنا الحق والعدالة والإنصاف، مرآة تناسب أقدامنا الحافية من أحذية موشومة بماركات عالمية، مرآة تناسب موسيقانا القروية المعزوفة بآلات بدائية رخيصة، مرآة تناسب ملاعبنا الضيقة غير المعشوشبة، مرآة تناسب بِرَكَنَا ومستنقعاتنا التي تقينا حرّ أشعة الشمس الحارقة، مرآة تناسب حدائقنا الطبيعية التي نبتت من تلقاء نفسها ووظبت من شكلها دون أن تمتد إليها كفُّ بستاني محترف، مرآة تناسب مصابيحنا الصفراء التي تجود بنورها يوما وتبخل به أياما، فاحترسي يا أمي أن يُخطئ إبهامك القناة مرة أخرى، فأولئك بشر لا يشبهوننا ولا نشبههم، لا يعرفوننا ولا نعرفهم، يا أمي. 

لا يعرفُ الفقرَ إلاَّ من تجرَّعَهُ *** وذاق من لفْحِه النيرانَ واللهَبَا
فإن تحدَّثَ عنهُ الناسُ فلسفةً *** قولي لهم: ليْتَكُمْ لمْ تفْتروا الكَذِبا



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

فاز فيلم "الانتظار" للمخرج السويدي أيميل لانغبال بالجائزة الكبرى للدورة السادسة من مهرجان السينما الوثائقية "أوروبا الشرق"بمدينة طنجة المغربية. ويروي قصة فتاة أفغانية انتظرت ست سنوات قبل اللجوء للدانمارك.

يرى الناقد المغربي حسن المنيعي أن المسرح العربي حقق في السنوات القليلة الماضية طفرات إبداعية كبيرة، دفعت حركة النقد لمواكبته بمقاربة علمية مبنية على قراءة شاملة لكامل عناصر العمل المسرحي.

بين البحر والمحيط تاريخ المرابطين وحماة الدين.. جنة الدار وبهجة الزوار.. الفصول الأربعة في موسم واحد.. "المسافر" في المملكة المغربية.

الأكثر قراءة