باب الخروج.. للجولاني أم للتنظيم!

blogs - الجولاني 2

يعد الدخول في الحرب أسهل بكثير من الخروج منها، وفي الحقيقة، فإن الكثير ممن يقررون الدخول في الحروب سواء حركات أم دول لا يضعون تصورا واضحا حول كيفية الخروج، ولا تشمل استراتيجياتهم الأولية استراتيجية للخروج. لذا تعد أعقد حلقات إنهاء الحروب هي مرحلة وصول أحد الأطراف أو الأطراف جميعها إلى مرحلة الرغبة في الخروج. وقد يساعد في وضع خطة الخروج شعور جميع الأطراف بالإنهاك اقتصاديا أو عسكريا أو سياسيا أو جميعها.

 

نجد اليوم في سوريا أن جميع الفواعل الإقليمية والدولية تسعى لوضع استراتيجية للخروج، ومع تعدد الأسباب الدافعة لكل فاعل سوف يعمل كل منها على تعظيم مكاسبه وتقليل الخسائر أو تعويضها على أفضل تقدير. وقد تبدو الفصائل السورية هي أضعف هذه الفواعل على الأقل نظريا لأن ثمة اتفاقيات بين اللاعبين الكبار دارت في الغرف المغلقة بعيدا عنهم.

 

لكن ما يزال هناك أوراق يمكن للفصائل استخدامها أهمها تواجدها داخل الأراضي السورية وإن قلت المؤازارات المادية والعسكرية لدفعهم نحو قبول المتفق عليه. لكن في كل الأحوال سيكون قبول "المتفق عليه" دون إدراك ما تملكه تلك الفصائل مجتمعة وليس متفرقة فشلا يضاف إلى فشلهم في الاستفادة من كل مساحات التحرك التي كانت بين أيديهم في وقت سابق بسبب ضعف الخيال السياسي وإدراك الحال والمآل والرغبة في الرقص منفردا.

 

تشكلت هيئة تحرير الشام من مكونات غير متجانسة، جمعها الرغبة في السيطرة والمكانة وليس الأيديولوجية في المقام الأول
تشكلت هيئة تحرير الشام من مكونات غير متجانسة، جمعها الرغبة في السيطرة والمكانة وليس الأيديولوجية في المقام الأول
 

جزء من المتفق عليه سيكون إرغامهم على قبول استراتيجية الخروج لكل اللاعبين بما فيها هم وما يمتلكونه فعليا ـ أو ما يمكنهم امتلاكه ـ على الأرض. لكن في المفاوضات دائما هناك مساحة لتغيير أبواب الخروج إذا كان لديك إدراك لما يمكنك القيام به في الداخل ومدى الرغبة الملحة للآخرين في الخروج و "الآن".

 

هيئة تحرير الشام تحتاج إلى باب للخروج

تشكلت هيئة تحرير الشام من مكونات غير متجانسة، جمعها الرغبة في السيطرة والمكانة وليس الأيديولوجية في المقام الأول. فإن جاز لنا أن نتحدث عن أن مكون جبهة النصرة ينتمي للأيديولوجية القاعدية ـ بالرغم من ضرورة الحذر هنا من التعميم ـ فلا يمكن أن نرى فصيل نور الدين زنكي قاعديا ولا جيش الأحرار.

 

وهذا يصح أيضا على معظم مكونات الهيئة. لذا شهدنا مع بروز اختلاف حقيقي في الأهداف خروج ـ في وقت مهم ـ لحركة نور الدين زنكي في يوليو الماضي تحت ذريعة "بغي" الهيئة على حركة الأحرار -رغم أن الهيئة بغت على فصائل أخرى في وقت سابق ولم يعترض الزنكي على ذلك- أيضا مع خروج التسريبات الصوتية لبعض قيادات الهيئة حول استهزائهم بالمرجعيات الدينية "الشرعيين" عندهم أدت إلى تصدع ما يزال مستمرا في الأعمدة الرئيسة لتنظيم وصورة الهيئة وأصبح لمن يريد الخروج مسوغ ديني يمكن تفهمه عن ذي قبل.

 

هذا يعني أن التنظيم يحتاج لاستراتيجية للخروج يمكن أن يصممها من بداخله أو يساعد في تصميمها القريبون منه أو الفصائل المقبولة شرعا في الفضاء الجهادي في إدلب بشكل خاص وفي سوريا بشكل عام.

 

المحلل لشخصية الجولاني سواء المتخيلة أو الحقيقية سيجد أن انتمائه للفكر القاعدي يجعله يرى بأنه
المحلل لشخصية الجولاني سواء المتخيلة أو الحقيقية سيجد أن انتمائه للفكر القاعدي يجعله يرى بأنه "الحق" أو على الأقل يمتلك "الحق" وبالتالي "الأفضل" وليس "من بين الأفضل" لقيادة المشهد برمته
 

لكن الواقع يخبرنا، بأن الجولاني القائد العسكري- للتنظيم ـ وصانع القرار الفعلي له ـ لن يقوم بهذه الخطوة. تخبرنا الدراسات التي أجريت على قيادات المليشيات أن القيادات لا يمكنها أن تقبل بحل تنظيماتها -رغم وجود المعطيات الواقعية التي تدفع لذلك- خاصة إذا كان لهذه التنظيمات موارد اقتصادية توفر لهم رفاهة ومكانة بشكل أو بآخر، هنا تبنى قائد المليشيا قاعدة "الكل أو لا شيء" أو بمعنى آخر "الكل أو الهاوية"، تتحول من كونها فكرة إلى استراتيجية سيعمل على تحقيقها. حيث يتماهى في شخصه مع التنظيم وسيرى أن انتهاء التنظيم يعني انتهاؤه هو شخصيا.

 

 في نفس السياق، المحلل لشخصية الجولاني سواء المتخيلة أو الحقيقية سيجد أنه من هذا النوع، فانتمائه للفكر القاعدي يجعله يرى بأنه "الحق" أو على الأقل يمتلك "الحق" وبالتالي "الأفضل" وليس "من بين الأفضل" لقيادة المشهد برمته. وحتى مع تحركاته "البرجماتية" ـ الفاقدة للفاعلية-بسبب تأخرهاـ من الانفصال عن تنظيم القاعدة لـ "سورنة" النصرة في "فتح الشام" ثم في كيان "هيئة تحرير الشام" كان يرى بأفضليته كقائد للجميع، وبالتالي تفكيكه لفصائل والقضاء على أخرى حتى وصوله إلى قرب الإجهاز على الحركة المنافسة له "أحرار الشام" كان بدافع رؤيته لذاته وتنظيمه بأنه الأكثر جدارة لقيادة المرحلة. 

 

هذا يعني ضرورة فصل باب خروج التنظيم عن ذلك الذي يمكن التفكير به للجولاني نفسه، فكما أن من أهم عقد الصراع في سوريا هو "مصير بشار الأسد" حيث يعد موته أو الاتفاق على وضع له سيحلل الكثير من العقد، أيضا ولكن بشكل أقل تعقيدا حل "مصير الجولاني" سيساعد في حلحلة الوضع لكن يمكن فصله عن التنظيم.

 

تعد الفئة المتوقع ممانعتها لأي استراتيجية للخروج هي فئة المهاجرين، فهؤلاء لديهم مرارتهم المركبة والمرتبطة بفشل التغيير في بلادهم وخروجهم منها واستحالة وجود خيارات للعودة إليها في ظل أنظمة قمعية

وهذا ما تخبرنا به دراسات السلام حول أن المشكلات التي تبدو معقدة لا بد من استخدام مقاربات متعددة لفك التعقيدات. إذن لدينا مستويين لا بد من التعامل معهما بشكل منفصل "الجولاني" وأعضاء التنظيم، حيث من الممكن فتح باب الخروج لهم من خلال التعامل مع الشبكات الاقتصادية والاجتماعية والعسكرية للمنخرطين فيها والتي تتواجد في أعلى سلم أولوياتهم عندما يفكرون في مستقبلهم خارج التنظيم الذي وفرها لهم في سياق تمثل فيه هذه الشبكات وما توفره من امتيازات مجال للأمان و"الاستقرار" ولو الجزئي والمؤقت.

 

أما بالنسبة للأيدولوجية، فأعتقد أن التسريبات ستساهم في نشر "الشك" حول طهارة وقدسية الأيدولوجية المكونة للتنظيم أو على الأقل ملائمة هذه "النسخة" من السلفية الجهادية لسوريا وسيكون على الفصائل التي ما تزال تحمل شرعية في المجال العام الجهادي دورا كبيرا في ملئ الفراغ وتوفير بديلا فكريا متماسكا. هذا لن يغني عن ضرورة إعادة التأهيل للكثير من الخارجين بانكسار وشعور بالإكراه، وهؤلاء سيتطلب الأمر جهداً كبيرا لإعادة دمجهم في حركات أخرى أو وضع سياسات للتعامل مع تواجدهم دون إدماج! ولكن بالطبع سيمثلون مع أولئك المنتمين سابقا لتنظيم الدولة والفارين من الرقة ودير الزور تحديا حقيقيا ـ لا يمكن الاستخفاف به ـ للاستقرار في محافظة إدلب والمناطق المحررة بشكل عام.

 

محور الممانعة لاستراتيجية الخروج

تعد الفئة المتوقع ممانعتها لأي استراتيجية للخروج للهيئة ـ بل لإنهاء حالة الحرب في سورياـ في المجال الجهادي هي فئة المهاجرين وبشكل أكثر تحديدا المهاجرين من مصر وتونس والمغرب، فهؤلاء لديهم مرارتهم المركبة والمرتبطة بفشل التغيير في بلادهم وخروجهم منها واستحالة وجود خيارات للعودة إليها في ظل أنظمة قمعية، كما أن التفكيك الناعم للهيئة من خلال خروج مكوناتها الصلبة مثل حركة نور الدين زنكي ثم جيش الأحرار ثم الانشقاقات الفردية والجماعية والفصائلية التي قد تؤدي إلى التحلل الناعم لمكون النصرة يعني:  أولا ضياع المشروع الجهادي المكتمل "المتمركز في مخيلاتهم" وثانيا يعني تحولهم إلى حلقات هشة داخل المجتمع الذي يُعاد إعماره، ومع ذلك، يمكن استيعاب جنود المهاجرين داخل المجتمع والعمل على إزالة الصور المشوهة حولهم خاصة لهؤلاء الذين لم ينخرطوا في عمليات "بغي" أو قتل للسكان المحليين. 

 

لكن سيتمثل التحدي الأكبر في الأفراد الذين تولوا مناصب أمنية وعسكرية ودينية داخل الهيئة باعتبارهم "حراس المعبد"، لذا سيكون من المهم تطوير سياسة مناسبة للتعامل معهم وإعادة إدماجهم في المجتمع أو فتح ممرات آمنة لهم للخروج من سوريا إلى مناطق أخرى: إما دول تقبل باستقبالهم وإعادة تأهيلهم ثم إدماجهم في مجتمعاتها أو مناطق توتر ونزاع مثل أفغانستان والآن بورما!

 

سيكون من المهم كما أن للنظام السوري كيانا واحدا يمثله، أن تُمثل الثورة في كيان واحد ـ بجناح سياسي وعسكري ـ لتعزيز المكاسب واختيار أبواب الخروج بما يتناسب مع السوريين

في الواقع، مع التغيرات المتلاحقة في القضية السورية ورغبة الكبار في الخروج سيكون على الفصائل المنهكة العمل بشكل مختلف لتصميم أو على الأقل التدخل فيما تم تصميمه لهم للخروج، فالقبول بدخول القوات التركية ـ إن حدث ـ للقضاء على التنظيم الجولاني لن يُغني عن ضرورة أهمية أن تفكر الفصائل في حل تشكيلاتها والاندماج الفعلي.

 

بالطبع هذا يعد خيارا مُرا للكثير من القيادات التي تماهت أيضا مع تنظيماتها واستمتعت بالمكانة والنفوذ الذي وفرتها لهم تواجدها على رئاسة الفصيل لكن الاستمرار في التشرذم يعني الاستمرار في إهدار الفرص ـ والتي قد تكون الأخيرة ـ للاستفادة من إمكانياتهم الجماعية في التعامل مع الفواعل الإقليمية والدولية الراغبة في الخروج من "الورطة السورية"، فتشرذمهم سمح بإنشاء منصات متعارضة مع أهداف الثورة السورية ومشاكسة للهيئات الشرعية.

 

إن جولات التفاوض لم تنتهي بعد وبالتالي سيكون من المهم كما أن للنظام السوري كيانا واحدا يمثله، أن تُمثل الثورة في كيان واحد ـ بجناح سياسي وعسكري ـ لتعزيز المكاسب واختيار أبواب الخروج بما يتناسب مع السوريين ـ أصحاب القضية العادلة ـ بواقعية وليس بانبطاح. هذا ولله الأمر!