المقسّمون رغم وحدتهم

Blogs- arab leader

ولئن حلم ويحلم وسيحلم الشعب العربي بوطن عربي موحّد إلاّ أنّ الأنظمة العربيّة لا ترى من هذا الحلم سوى مزايدات لتزيين خطاباتهم واحتفالات يوم الأرض من كلّ سنة. ولهذا السبب تبقى فلسطين محتلّة وتبقى قرارات الدول العربيّة تابعة ومرتبطة بالدول العظمى صاحبة الحلّ والعقد في ظلّ ترهل الحياة السياسيّة العربيّة وتبقى الشعوب العربيّة مختنقة وثائرة ومنتفضة على أنظمتها الضعيفة. 

      

وقد طفت على السطح مؤخرا أزمات عديدة في المنطقة لعلّ أبرزها أزمة الخليج التي ضمّت ثلاثة دول خليجيّة هي المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتّحدة ومملكة البحرين في مواجهة دولة قطر، والتي قد لا يزيد حجم مساحتها جزءاً على أربعين من حجم مساحة سابقاتها، هذا دون احتساب الدخيل المصري على هذه الأزمة سواء في المقاطعة أو المساحة، فمصر بعد انقلاب العسكر على الشرعيّة باتت برئيسها محلّ تفكّه من الإعلام والسّلط والرأي العام العربي والعالمي.

      

أزمة الخليج كما اختير لها هذا الاسم بداية، هي لا تشمل كل دول الخليج كما أنّ الأدوار فيها انقسمت لمُقَاطِع مُحَاصِر وهو الدور الذي اختارته السعودية والإمارات والبحرين، أو المحاصَر وهي قطر، ووسيط وهي الكويت ومتفرّجين وهم البقيّة. وباتت هذه الأزمة محلّ اهتمام جلّ دول العالم فتعدّدت المساعي الصلحيّة في سبيل الحفاظ على مجلس التعاون الخليجي أبرزها دولة الكويت التي تلعب دورا هامّا ومحوريا في سبيل توحيد البيت الخليجي وفضّ النزاع الذي تداخلت فيه عديد الأسباب.

         

لم يكن ذنب قطر بعد كلّ هذه الوحشيّة سوى أنّها دعمت رغبات الشعوب في التغيير والإصلاح إما بالمساعدات أو بالتوعية والنقاش من خلال المؤسسات الإعلامية والاستراتيجية

على ضفّة الحصار الخليجي الأولى قطر والتي تمّ قطع العلاقات الدبلوماسيّة معها (من طرف دول الحصار) كما تمّ إعادة معتمريها بملابس الإحرام لمنازلهم من جديد، كما تفرقت أسر متصاهره من الطرفين، وطرد عمّالها المقيمون في دول الحصار، وسحبت منها بعض الاستثمارات بل واجتهد مقاطعوها في العمل على ضرب صورتها في العالم وتشويهها بعديد التهم الجاهزة للإطاحة بأيّ دولة. ولكنها في المقابل لم تطرد قطر الجالية المقيمة والعاملة فيها بل وأبقت الحال على ما هو عليه بما في ذلك إمداد الإمارات العربية المتحدة ب 70 بالمائة من الغاز والكهرباء الذي بدونه تتوقّف الدورة الاقتصاديّة والحياتية فيها.

    

ولم يكن ذنب قطر بعد كلّ هذه الوحشيّة سوى أنّها قامت باستثمارات كبرى في دول العالم، ودعمت رغبات الشعوب في التغيير والإصلاح إما بالمساعدات أو بالتوعية والنقاش من خلال المؤسسات الإعلامية والاستراتيجية التي ساهمت ولو بجزء في إيصال الصورة واضحة للعالم والشعوب الثائرة. على ضفة الحصار الخليجي الثانية نجد دولا بات مفضوحا الاستبداد السياسي وتوتّر المناخ المجتمعي فيها بما في ذلك اعتقال المعارضين السياسيين أو نفيهم أو تشويههم ووصل الأمر لفرض الإقامة الجبريّة على ولاة العهد أو السياسيين أو الدّعاة الوسطيين الذين يتمنون إعادة لمّ شمل الخليجيين. دول سحبت ممثليها الدبلوماسيين وتعمل على تأليب الرأي العام الدولي.

    

وبقاء في الرقعة الخليجيّة، برز للسطح استفتاء الانفصال في كردستان والذي يهدف للانفصال عن العراق، هذا الانفصال أيضا محلّ جدل كبير تعارضه الحكومة العراقيّة لأنّ فيه خسارة جانب من سكانها وأراضيها. تعارضه الحكومة التركيّة لأنّ فيه استفزازا للأكراد الأتراك الذين يفتح أمامهم الفكرة في الانفصال والدولة التركية بذلك تخسر من سكانها وأرضها. تعارضه إيران كذلك لنفس الأسباب خاصة وأن الأكراد الإيرانيين يمتدّون على أراض شاسعة ومتفرقة في إيران وهو ما يهدّد وحدتها. وقد صرّحت هذه الأطراف الثلاث الرئيسيّة في ملف الأكراد والتي تحيط به من كل جانب جغرافيا وهم يعتزمون مقاطعة الإقليم والتضييق عليه برّا وجوّا.

     

وغير بعيد نرى على خريطة العالم العربي دولة سوريا التي باتت خرابا ولا دولة حيث هاجرها أهلها لاجئين وجثم نظامها على الأنقاض طامعا في حكمها. لعلّ التدرّج الزمني للثورات العربيّة جعل النظام السوري استعدّ لمغبة انتصار الثورة فقاومها وفي سبيل إفشالها حطّم البلاد والعباد. ما يقود المرحلة في المنطقة هو الاختلافات سواء كانت عرقيّة أو مذهبيّة أو طائفيّة أو سياسيّة… وهو ما جعل اليمن مسرحا لعديد المتدخلين في تعميق الهوّة بين أهلها وناسها شيعة وسنّة، وهو ما أحدث الانقلاب في ليبيا.

    

هكذا بات حال الوطن العربي المنتظر الذي بات مقسّما أكثر من تقسّمه، ومفككا أكثر من تفككّه، العالم يتّحد رغم الاختلافات (الاتحاد الأوروبي، الولايات المتحدة الأمريكيّة…) ونحن نتشظي ونتحلّل ونخسر قوّتنا بتفكّكنا واتحادهم. أي منطق يجعل العرب منقسمين لهذا الحدّ؟ أي منطق قسّم العراق واليمن والسودان وسوريا وليبيا وحقق أكثر مما طلبته حدود "سايكس بيكو"؟ أي منطق جعل البيت الخليجي ينقسم لا لشيء إلا لسبب الرغبة في فرض السطوة وعدم قبول التميّز لأي بلد عربيّة دون المملكة السعوديّة التي استأثرت به لنفسها؟ أي منطق يفرض على العرب الالتفات للأمام على أنّه وراء؟