القومية الكردية وتقسيم المُقَسَّم

لعبة القومية
اللعبة عينها ما زالت، ولا تزال الدمى تتحرك في مسيرة تقسيم المقسم، وتنمية النعرات القومية التي نخرت عظام تلك الأمة، التي تداعت عليها الأمم، كما تداعى الأكلة إلى قصعتها. كان لا بد من فك ذلك الرابط المتين الذي ربط أواصر العلاقة بين المسلمين قرونا طويلة، لا سيما مع استعداد كثير من المسلمين للتضحية بأنفسهم وأموالهم وكل ما يملكون في سبيل بقاء تلك الآصرة، فكانت فكرة القومية، وجعلها بديلا عن آصرة الإخوة الإسلامية، فتم إحياء النعرات الفرعونية والآشورية والكلدانية والفينيقية والكردية والأمازيغية والطورانية، وغيرها من النعرات، لتكون مقدمة لما بعدها من تقسيم التركة، حتى بدأ سايكس بيكو في التقسيم الفعلي.
بعدما استطاعت دول الاحتلال نشر الفكرة عن طريق من سموهم بـ"المثقفين العرب"، ومن صنعوهم من "رموز التحرر"، الذين كان جلهم من الأقليات الشامية النصرانية المتواجدين في الشام وفي المهجر، ومن المتغربين المبتعثين من كثير من البلاد المسلمة لأوروبا، ومن بعض السياسيين "الوطنيين" في تلك البلاد، وليس هذا الأمر من قبيل ما يسمى بـ"نظرية المؤامرة"، بل هو حقائق تاريخية واضحة وضوح الشمس في رابعة النهار.

الغرب والشرق ومكاييل شتى
من يسعر القضية الكردية هم من ورثوا سايكس بيكو، ومن اخترع الشعار البراق "حق تقرير المصير"، ذلك الشعار الذي لا يجد أي آذان مصغية تخص المسلمين في أية دولة، بينما يُقمَع من ينادي به في بلاد تدعم وتحض على انفصال الأكراد وتكوين دويلتهم الجديدة.

من خطط لتقسيم العراق إلى ثلاث دويلات، منها دويلة كردية، بحجة حق الأكراد في تقرير مصيرهم! هي عينها أميركا التي أبادت الهنود الحمر


روسيا لا تفتأ تتكلم عن احترام طموحات الأكراد القومية، بل وانطلقت في شراكات عملية في مجالات اقتصادية، وعلاقات سياسية مع حكومة الإقليم الكردي، هي عينها روسيا التي دمرت الشيشان المسلمة حينما قرر شعبها مصيره واتجه للانفصال بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، فقتلت عشرات الآلاف من الشعب القوقازي، ودمرت البنية التحتية للشيشان في حربين ضاريتين عامي 1996 و1999 م، ثم ثبتت حكم قاديروف الموالي لروسيا ولاء تاما، وأيضا هي من يبيد الشعب المسلم في سوريا حاليا، بعدما استقدمها الطاغية بشار لقمع ثورة الشعب السوري، ومنع سقوط نظام "حزب البعث العربي الاشتراكي القومي"، سليل النصيرية في الشام.

وأميركا التي تمد الميليشيات الانفصالية الكردية في سوريا بالسلاح، وتدعمها دعما مطلقا في تحقيق انفصال الشمال السوري وتهديد أمن تركيا واستقرارها، بحجة حقوق الأكراد، ومن خطط لتقسيم العراق إلى ثلاث دويلات، منها دويلة كردية، بحجة حق الأكراد في تقرير مصيرهم! هي عينها أميركا التي أبادت الهنود الحمر، وتعاملت بعنصرية مقيتة مع ذوي البشرة السمراء، وهي من احتلت أفغانستان والعراق، وقتلت أكثر من مليون عراقي على مدى عشر سنوات من الحصار الجائر، وهي من يدعم الكيان الصهيوني بكل قوة في احتلاله للأرض المقدسة وتهويد القدس، وهي من دعم انقلاب السيسي في مصر في الثالث من يوليو 2013 م، ومحاولة الانقلاب الفاشلة في تركيا في الخامس عشر من تموز 2016 م، وهي أيضا من دعمت الانقلابات العسكرية في البرازيل عام 1964 م والأرجنتين عام 1976م.

الحقيقة الواضحة هي أنه لا توجد أي نزعة انفصالية في بلد من البلاد العربية والإسلامية إلا ويقف وراءها من يريدون تفتيت الدول الإسلامية وتقسيم المقسم أصلا، لزيادة الإضعاف

وكانت الشركات الأميركية عابرة القارات من الفاعلين الرئيسيين في انقلاب البرازيل، وكان قد تم الكشف عن هذا التورط المشين في دعم ذلك الانقلاب العسكري الدموي، والذي خلف أكثر من 3000 قتيل، وعشرات الآلاف من المعتقلين – كان منهم رئيسة البرازيل السابقة ديلما روسيف -، بواسطة لجنة تقصي الحقائق التي شكلتها الرئيسة البرازيلية ديلما روسيف عام 2012 م، ونشر تقرير مبدئي عنها بعنوان  Documents suggest multinationals aided Brazil military regime على موقع وكالة الأنباء العالمية رويترز عام 2014 م.

الانفصال الحقيقي يحدث في الجسد المسلم
ما يلفت النظر بشدة هو أن الانفصال الحقيقي، وأحيانا السريع جدا، يتم في البلاد المسلمة، فالحرب الأهلية في السودان نتج عنها فعليا فصل الجنوب وتكوين دولة جنوب السودان عام 2011 م، وكل ذلك بدعم ومباركة أمريكية ودولية، وانفصال تيمور الشرقية عام 2002م عن جسد إندونيسيا كان دراماتيكيا، وكان أيضا على أشلاء الآلاف من المسلمين في جزر الأرخبيل الإندونيسي، برعاية أسترالية (أستراليا التي أبادت الهنود الحمر في تلك القارة النائية تحت رعاية التاج البريطاني) تحت مظلة أممية. واللافت أيضا للنظر هو كون هاتين الدولتين الوليدتين نصرانيتان قد انفصلتا عن دولة مسلمة أم، ولا عجب في ذلك، فهذه حقيقة عالمية، وربما يفسر هذا الأمر سرعة اتجاه روسيا – بعد قمعها للشيشان – إلى تنظيم استفتاء صوري عام 2014 م لضم إقليم القرم ذي الأغلبية المسلمة، بعد الثورة الأكرانية؟ وغالبا هو خشية اتجاه الإقليم للانفصال وتكوين دولة مسلمة، مع التمتع بموقع استراتيجي وثروات اقتصادية كبيرة!

وأين هؤلاء من "حق تقرير المصير" لشعب تركستان الشرقية، الذين يعانون شتى أنواع القمع من السلطات الصينية، حتى وصل الأمر لمنع سجادات الصلاة، بعد منع كل الشعائر الدينية المسلمة في العلن والسر، وإغلاق ما يقارب الثلاثين ألف مسجد وعشرين ألف مدرسة؟! بل وسعي السلطات الصينية لمطاردة الإيجور في كثير من دول العالم، حتى قبضت السلطات الانقلابية في مصر في يوليو 2017 م على عشرات الطلبة الإيجور الدارسين في الأزهر، بإيعاز من الصينيين. وأين هم من المسلمين الروهينجا المضطهدين في بورما؟! وأين… وأين؟!

أورام سرطانية
الحقيقة الواضحة هي أنه لا توجد أي نزعة انفصالية في بلد من البلاد العربية والإسلامية إلا ويقف وراءها من يريدون تفتيت الدول الإسلامية وتقسيم المقسم أصلا، لزيادة الإضعاف، ولإسقاط ما تبقى من نزعة اتجاه الحفاظ على آصرة الإخوة بين المسلمين، وتكوين دويلات جديدة كأورام سرطانية حديثة في ذلك الجسد المريض، الذي أنهكته تلك الخلايا السرطانية المنتشرة هنا وهناك، مع بقاء تلك الدويلات الوليدة تحت التبعية الكاملة لمن دعم تكوينها وأسس ودعم نظام حكمها، وأيضا لضمان استمرارية دعم ذلك الاختراع العجيب المسمى بـ "الحرب على الإرهاب".



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

تناولت مجلة نيوزويك الأميركية الشأن الكردي وما تعلق بالاستفتاء على الانفصال الذي جرى في إقليم كردستان العراق، وتحدثت عن تداعياته وتساءلت ماذا يمكن للرئيس الأميركي دونالد ترمب فعله بالنسبة للأكراد؟

قال مراسل الجزيرة إن ناقلات النفط والغاز بمعبر بَشِمَاخ تتكدس بعد حظر طهران حركة الناقلات مع كردستان العراق ردا على إجراء الاستفتاء، ورفضت أربيل طلب بغداد تسليم المعابر الحدودية.

الأكثر قراءة