الطنطورية.. ملحمة امرأة وشعب

blogs الطنطورية

"تناسيت حتى بدا أني نسيت الانتظار…"

يطلب منها ابنها كتابة مذكرات أو سيرة ذاتية، تستعرض من خلالها أهم محطات حياتها المزدحمة بالأحداث، منذ خروجها مرغمة من قرية الطنطورة الساحلية بعد نكبة 1948، إلى استقرارها في لبنان مرة أخرى مع مطلع الألفية الجديدة، بعد تيه تلاعب بها في الشتات بين لبنان والإمارات ومصر.

 

توافق مرغمة، بعدما وجدت نفسها في مواجهة مباشرة مع ذاكرة بذلت ما في وسعها لسد كل ثقوبها، لتبدأ الحكي ونتابع معها مزجا بين سيرة امرأة وملحمة شعب اسمه الشعب الفلسطيني…

 

إنها رواية "الطنطورية"، للكاتبة المصرية الراحلة "رضوى عاشور"، صدرت لأول مرة عن دار الشروق عام 2010، ومازالت طبعاتها تتوالى حتى الآن، محققة نجاحا جماهيريا لا يقل بأي حال من الأحوال عن نجاح "ثلاثية غرناطة"، إبداع رضوى الأشهر، والذي سبق وأن تطرقنا له في تدوينة حملت عنوان: ثلاثية غرناطة: الأكثر مبيعا ليس سيئا دائما.

 

الطنطورة قرية فلسطينية ساحلية تحدها شمالا حيفا وعكا، وجنوبا يافا وقيسارية، ومع رقية الطنطورية سنعيش تاريخ فلسطين بكل صفحاته المشرقة والمظلمة، أفراحه وأحزانه، انتصاراته وهزائمه

تفتح أول صفحات الرواية، فتجد إهداء من الكاتبة إلى زوجها، الشاعر الفلسطيني مريد البرغوثي، وبعدها خريطتين، الأولى لفلسطين التاريخية من النهر إلى البحر، والثانية لقرية الطنطورة، مسقط رأس رقية بطلة الحكاية، ثم رسما تخطيطيا لشجرة العائلة، يساهم في توضيح الصورة الكاملة للأحداث بالنسبة للقارئ الذي سيصطدم بتكرار بعض الأسماء بين الأجداد والآباء والأحفاد.

 

الطنطورة قرية فلسطينية ساحلية تحدها شمالا حيفا وعكا، وجنوبا يافا وقيسارية، ومع رقية الطنطورية سنعيش تاريخ فلسطين بكل صفحاته المشرقة والمظلمة، أفراحه وأحزانه، انتصاراته وهزائمه.

 

أحداث المقاومة اليائسة ثم التهجير القسري من القرية (والتي ذكرتني إلى حد ما بالتغريبة الفلسطينية، المسلسل الملحمي الرائع الذي عرض قبل سنوات وجمع كاتبا بحجم وليد سيف بمخرج من طينة حاتم علي)، أحداث كلفت رقية فقدان والدها وشقيقها، الموت الذي لم تتقبله والدتها التي عاشت على أمل (أو هو وهم) هرب الزوج والابن إلى مصر وعيشهما هناك بعيدا عن الأعين، هزيمة جيش الإنقاذ العربي (الذي عقد عليه الفلسطينيون كل آمالهم قبل صدمتهم بالحقيقة المرة)، ثم اللحاق بأسرة بالعم في مدينة صيدا الساحلية اللبنانية، لتبدأ معاناة من نوع آخر اسمها : الوجود الفلسطيني في لبنان.

 

قمع المخابرات والجيش اللبناني للمخيمات في الخمسينات تحت يافطة "اللجوء المؤقت"، ثم تصاعد النفوذ الفلسطيني بعد تنظيم العمل الفدائي إثر نكسة 1967 واتفاق القاهرة 1969، نقل قواعد العمل إلى لبنان بشكل تام عام 1970 بعد الخروج من الأردن إثر معارك ما يعرف ب "أحداث أيلول الأسود"، الاحتقان السياسي الذي أدى إلى اندلاع حرب لبنان الأهلية عام 1975، المجازر والمجازر المضادة، الكارانتينا والدامور، حرب الفنادق، انقسام بيروت إلى شرقية وغربية، الكراهية الكتائبية والقواتية لكل ما هو فلسطيني، ليتوج كل هذا الدم باجتياح اسرائيلي مدمر عام 1982.

 

هنا يبدأ العذاب الحقيقي الذي ينقلنا كقراء إلى الأيام العصيبة للغزو، ستعيش في الملجأ وتسمع دوي الانفجارات وترى رعب الأطفال الذي قدر لهم معاينة كل هذه الأهوال، ستشعر مع رقية وأمين والأولاد أن الموت كان على بعد سنتيمترات قليلة منك، وقد تصيبك الحيرة، هل أنت محظوظ أم لا، عندما تدمر القذيفة البناية المقابلة لبنايتك. نعم ستنجو، لكنك ستكون مطالبا بمعاينة أفراد عائلتك وجيرانك وأصدقائك يموتون الواحد تلو الآخر في مقابر جماعية أو فردية، بعضها معروفة وكثيرة مجهولة.

 

أحداث بعد أحداث بعد أحداث، تختلط فيها سيرة رقية الطنطورية بملحمة فلسطين كلها، لتختم أحسن ختام بمشهد نهاية ينتزع دموعك كقارئ رغما عنك
أحداث بعد أحداث بعد أحداث، تختلط فيها سيرة رقية الطنطورية بملحمة فلسطين كلها، لتختم أحسن ختام بمشهد نهاية ينتزع دموعك كقارئ رغما عنك
 
تنسحب قوات منظمة التحرير من بيروت، ومعها عبد الرحمن أو "عبد" ابن رقية الذي يتراجع في آخر لحظة ويبقى في لبنان، يعتقد بعض المخدوعين أن جنون القتل قد توقف عند هذا الحد، لتتوالى الأحداث ككرة ثلج في صيف ملتهب شهده لبنان في تلك السنة السوداء، بعد اغتيال بشير الجميل وإقدام الضباع الآدمية على تنفيذ مجزرة صبرا وشاتيلا التي تطرقنا لها بشيء من التفصيل في تدوينة الأسبوع الماضي، والتي حملت عنوان: مجزرة صبرا وشاتيلا: ما الذي حصل؟

يتشتت شمل الأسرة بعد اختفاء الأب في المجزرة، تغادر رقية ومريم إلى الإمارات عند ابنها ثم مصر بحثا عن استكمال مريم لدراستها، خاصة بعد تأزم الوضع في لبنان إثر سيطرة الكتائب على الحكم ودخول المخيمات في حرب قذرة سببها كالعادة المشاكل بين "الكبار" التي يدفع ثمنها "صغار"، قاتلوا العدو الإسرائيلي جنبا إلى جنب وامتزجت دماؤهم في ساحات القتال قبل أن يرفعوا السلاح في وجه بعضهم البعض.

 

أحداث بعد أحداث بعد أحداث، تختلط فيها سيرة رقية الطنطورية بملحمة فلسطين كلها، لتختم أحسن ختام بمشهد نهاية ينتزع دموعك كقارئ رغما عنك، هناك عند الأسلاك الشائكة في الحدود بين جنوب لبنان وشمال الأراضي المحتلة، عندما تسلم رقية مفتاح منزل الطنطورة لحفيدتها الرضيعة، كدلالة على استمرار الأمل في العودة، مهما توالت الأعوام، ومهما بدا لبعض اليائسين أن القضية ماتت ودفنت إلى الأبد.

 

من الناحية الفنية، يمكن القول أن مشكلتك كقارئ وأنت تطالع رواية "الطنطورية" هو استسلامك لتلك المقارنة الطبيعية بينها وبين "ثلاثية غرناطة" رغم بذلك كل ما في وسعك لتجنب ذلك. نعم، أثبتت رضوى رحمها الله مرة أخرى أنها تتفوق في الأعمال الملحمية التي تتخذ من عائلة بأجدادها وآبائها وأحفادها محورا للعمل.

 

جاء الإكثار من تقنيتي الاسترجاع والفلاش باك ليحرم القارئ أحيانا من بعض الانسيابية التي وفرتها الثلاثية في سردها، فجاء ذلك الصوت المتكرر في أعماقك ليهمس في أذنك : "الثلاثية أفضل، الثلاثية أفضل…"

ستذهل الفلسطينيين قبل غيرهم بقدرتها على جمع هذا الكم الهائل من المعلومات عن تاريخ وجغرافيا وعادات وتقاليد ولهجة هذا الشعب (ولو أنني فضلت لو أن معجم المفردات الفلسطينية تم إدراجه في المتن عبر هوامش عوض جمعه في نهاية الكتاب)، وستدهشك بقدرتها على رسم الشخصيات المحورية للعمل، خاصة رقية، باقتدار ملحوظ، بكل تناقضاتها البشرية وهمومها وأفراحها،

 

لكنك ستشعر في المقابل بأن العمل لم يكن متوازنا إلى حد ما في عرض بعض المحطات التاريخية التي عايشتها رقية ومن معها رغم سهولة البحث التوثيقي (نسبيا طبعا) مقارنة بمرحلة تاريخية بعيدة جسدها سقوط غرناطة في الثلاثية الشهيرة، فتم التوسع في بعض التفاصيل والمرور على أخرى مرور الكرام، كما لو أن حجم الرواية لم يكن كافيا (احتاج ربيع جابر الروائي اللبناني إلى 650 صفحة ليصور ما حدث في حرب السنتين أو المرحلة الأولى للحرب الأهلية اللبنانية بين عامي 1975 و 1976 فقط في روايته طيور الهوليداي إن) فتسرب الملل إلى القارئ في بعض المواضع، ثم جاء الإكثار من تقنيتي الاسترجاع والفلاش باك ليحرم القارئ أحيانا من بعض الانسيابية التي وفرتها الثلاثية في سردها، فجاء ذلك الصوت المتكرر في أعماقك ليهمس في أذنك : "الثلاثية أفضل، الثلاثية أفضل…"

 

ولكن رغم ذلك، لا تنقص الملاحظات السابقة بطبيعة الحال من قيمة "الطنطورية" كعمل أدبي مميز ومتفرد جسد بكل اقتدار ملحمة قد تعجز الكتب التاريخية المتخصصة عن صنعها.

 

ملحمة امرأة، وشعب..