الخطاب

كلما تأملت بذلاتهم العسكرية ونياشينهم اللامعة، وكراسيهم العملاقة التي ترتفع أكثر من ألف متر عن سطح جباهنا الساكنة.. سألت نفسي: تُرى لماذا يعتقد زعماؤنا أننا أمة "فرامانات" فقط؟ لماذا لا يحاوروننا، ويقبلون اختلافنا، ويحترمون معارضتنا لهم؟ تُرى لماذا لا يخاطبوننا بنفس اللغة التي يخاطبون بها العالم في المحافل الكبيرة؟ لماذا تقطر ميكرفوناتهم على المنصّات الدولية وقاعات الأمم المتحدة حكمة وإنسانية وعدلا ونزاهة وتنمية ومستقبلا مزهرا للشعوب؟

 

نُدهش عندما نراهم بربطات العنق يتلون الخطابات المكتوبة على مهل أمام صفوف من الرؤوس الشقراء، والأدمغة الديمقراطية المعتّقة، تُرى هل هو نفسه زعيمنا الذي يحكمنا منذ ألف قرن؟ هو نفسه من يورث المناصب، ويوسع دائرة محاسيبه، ويعصر الوطن في جيبه الصغير، ويُفشل الانتخابات، ويحارب الوطنين، ويسعى إلى ترك البلاد عرجاء خرساء تشحذ عيشها على مفترق الطرق السياسية؟

 

كم أغبط المقاعد التي تستمع إلى صدى صوت الزعيم العربي الذي يخطب بوقار القادة العظماء مفتخرا بشعبه، متكلّما عن حقوق الأطفال بالعيش الكريم في دول الحروب، يحث على السلام، يسعى إلى فتح الحوار مع الجميع، مدّعيا أنه وكيل العدل الحصري في العالم وليس لديه فروع أخرى، يميل رأسه بحنان الأب، ويشدّد على الحروف بحزن إذا كان الملف الذي يتحدّث به محزنا، يستثير القادة الغربيين بنبرة صوته وجمله المنتقاة التي سهر عليها أعتى كتّاب الخطابات الأجانب، فيصفق له الجميع، ويقف له الجميع، ويدهش من رسالته الجميع، ويقولون في أنفسهم: ما بال الشعوب العربية في تأخر ونكوص وتخلّف وفقر وجوع ولجوء ولديهم مثل هذا الزعيم الأسطوري! المساكين لا يعرفون أن ما يولد على الورق يموت على الورق، وأن ما تردده جنبات القاعة الكبرى في الأمم المتحدة يتهاوى ويسقط بها كجثمان زوبعة.

 

العطاءات الكبيرة لا تمرّ إلا بمكتب القصر، والوكالات الكبرى لا تمر إلا بمكتب القصر، البترول والاتصالات والنقل إذا لم تكن مفاتيحه هناك فلن يكون الزعيم عربيا
 

هم لا يعرفون أن زعماءنا لا يقولون الحقيقة، هم يقدّمون أوراق اعتماد أمام القادة الكبار ليس إلا، ويجتهدون بــ "فوتو شوب" السياسة، يبهرون الحاضرين بمساحيق تسقط جميعها على مغسلة حمام الفندق.

 

هم أنفسهم الذين يتكلّمون عن تقبّل الآخر يرمون معارضيهم في سجون ذوات سبعة أبواب، وهم الذين يتكلّمون عن مستقبل أفضل للشعوب يمسحون بقراراتهم كرامة الشعوب يوما بعد يوم، يجوّعون الفقير ويسمّنون الغني، رجال الأعمال هم أفضل الساسة بنظرهم، والساسة هم أفضل رجال أعمال بالضرورة، يتقاسمون الحصص، ويعيدون تدوير المناصب بين الطبقة العليا، وكل من ينوي فتح "فمه" حول ما رأى وسمع وشاهد خلال مسيرة الزعيم المظفّرة تدبّر له قضية فساد أو يفتح ملفه على مصراعيه أمام مواقع التواصل الاجتماعي.

 

العطاءات الكبيرة لا تمرّ إلا بمكتب القصر، والوكالات الكبرى لا تمر إلا بمكتب القصر، البترول والاتصالات والنقل إذا لم تكن مفاتيحه هناك فلن يكون الزعيم عربيا، هي شركات خاصة بمسميات دول، أو في تقريب أكثر دقّة هي مجموعة شركات لنفس المالك، ألا نسمع في وطننا العربي "مجموعة فلان الفلاني" لها شركات في النفط وأخرى في الإلكترونيات وثالثة في الصناعات الغذائية والرابعة في الصناعات التحويلية والخامسة في السياحة والسفر، لكنها كلها تصبّ في نفس الحساب، وترفع من شأن نفس الرصيد، دولنا عبارة عن شركات قابضة، قابضة للأموال ولأرواح الوطنيين!

 

كلما شاهدت زعيما عربيا يقف على منصّة أممية حزنت على المقاعد، كم سيستغرق من ساعات البث وهو يقذف الفضاء "بفسفور الكذب الأبيض"، كم ستضلل سماعات الترجمة، وكم ستهتز الرؤوس معجبة، بكم سيبيعون متر المثالية على ظهورنا؟ كم سيزوّقون بالبلاغة أوجاعنا، كم سيتقنون الارتقاء على جثث أحلامنا، كم يبدون ملائكة من غير أجنحة، وهم من أنتج الجوع، وهم من أنتج التخلف واللجوء، هم مَن سمّوا كل المستشفيات بأسمائهم وأسماء أفراد عائلتهم ولا يُعالجون بها، وسمّوا كل الجامعات بأسمائهم وأسماء عائلتهم ولا يدرسون بها، هم الذين ربطوا تاريخ الأوطان بشهادات ميلادهم، واختصروا الوطن بشيك القصر وسياجه المسلّح، هم الذين كلما استمعت إليهم خِلتهم من التقوى والإخلاص حملة العرش، لتكتشف أنهم حملة النعش، النعش الوطني المغطّى بحلم الشعوب.

 

ويستمر الخطاب..



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

دعا السير الأميركي السابق لدى الأمم المتحدة جون بولتون الرئيس الأميركي دونالد ترمب لإلغاء الاتفاق النووي الذي أبرم في عهد سلفه الرئيس باراك أوباما بين إيران والولايات المتحدة والدول الكبرى.

الأكثر قراءة