الحركة الإسلامية والمضغة الاجتماعية

إن التنظير لفكرة شمول الإسلام على أنه يتناول مظاهر الحياة جميعها من طرف الإسلاميين هي فكرة صحيحة من الناحية النظرية والتاريخية، وهي خاصية من خصائص الإسلام، لكن في تطبيقاتها العملية على أرض الواقع من طرفهم شابها الكثير من القصور والعجز وعدم النجاح، حيث أدت محاولاتهم الفاشلة لإسقاط فكرة شمول الإسلام على مجالات اهتمامهم وعملهم، وربطهم بين فكرة الشمول سالفة الذكر وبين ضرورة الاهتمام بكل ميادين العمل العام دون التركيز على أكثرها تأثيرا، لأنه في نظرهم التركيز على مجال دون آخر ينافي فكرة شمول الإسلام التي يؤمنوا بها ويؤمن بها معهم كل مسلم، وهو ربط من الناحية المنهجية والعملية والواقعية غير دقيق، جعلهم يضيعونها جميعا أو على الأقل يكون أداؤهم فيها مجتمعة قاصرا وتأثيرهم فيها باهتا وضعيفا.

لذلك لم يستطيعوا التجذر في أي منها بالشكل الكافي والمؤثر الذي يجعله نقطة ارتكاز قوية في تنافسهم مع الآخرين، دون أن يعوا الفكرة التي سماها عبد الله النفيسي ((المضغة الاجتماعية)) والتي ملخصها: أن يختار أحد عناصر التأثير المجتمعي في عملية التغيير، فيتم تركيز الاهتمام عليه والتواجد فيه بقوة، ومن خلاله يمكن تحقيق الكثير من الأهداف، والانتقال عن طريقه إلى ساحات ومسافات ومواقع متقدمة، تضمن تواجدا فاعلا ومؤثرا على المستوى الاجتماعي العام ومن ثم التمكن السياسي. 

إذا استمرت الحركات الإسلامية في إيهام نفسها بفكرة الشمول دون أن تختار مضغة اجتماعية تشتغل عليها بشكل أكثر تركيزا، فلن تغادر مربع العمل الهاوي المحدود الذي لن يحقق لها نتائج ذات بال

ولعل من أكبر وأهم أسباب فشل الإسلاميين وإخفاقهم المتكرر هو عدم إدراكهم الفكري والعملي والتنفيذي لنقطة المضغة الاجتماعية هذه، مع بقائهم يترنحون في وهم الشمول، الذي تركهم محدودي التأثير في المجالات جميعها، فقد اختار القوميون العرب مضغة الجيش فسيطروا من خلاله على السلطة والدولة في كثير من الدول العربية، وحدد اليساريون النقابات المهنية والمنظمات الجماهيرية لتكون مضغتهم التي استطاعوا أن يفرضوا وجودهم في السلطة وتأثيرهم فيها من خلالها، وتوجه الليبراليون إلى منظمات رجال الأعمال لتكون مضغتهم فيتحكمون بها في كثير من الأنظمة والحكومات، بينما الحركة الإسلامية لم تحدد هذه المضغة الاجتماعية، وظلت توزع جهودها على كل المستويات، تحت مبرر الشمول، فبقيت ضعيفة أو متواجدة دون تأثير وازن فيها جميعا.

ولن يستقيم أمر الإسلاميين، ويضمنوا مكانتهم وتأثيرهم بحجم محترم أو مقبول على الأقل إلا إذا قاموا بمراجعة جادة لفكرة المضغة الاجتماعية هذه، وسعوا عمليا إلى صناعتها بشكل احترافي، وهم يملكون مشاريع مضغ اجتماعية يحسدون عليها لأن غيرهم لا يملكها أو لا يملك مثلها كما وكيفا، لكنها غير مستغلة الاستغلال الأمثل، بل كثير منها معطل مكبل اليدين والإرادة لأسباب كثيرة لا يتسع المجال لذكرها هنا، وأقصد رصيدهم من الشباب والطلبة على وجه التحديد، يمكنهم الاشتغال عليها وفتح الآفاق الرحبة لهم وإخراجهم من شرا نق العمل التنظيمي الضيق والمحدود، والمستهلك للطاقات في محارقه القاتلة للإبداع، إلى فضاء العمل المجتمعي الواسع والمؤثر والصانع للفارق.

أمّا إذا استمروا في إيهام أنفسهم بفكرة الشمول دون أن يختاروا مضغة اجتماعية يشتغلون عليها بشكل أكثر تركيزا، فلن يغادروا مربع العمل الهاوي المحدود الذي لن يحقق لهم نتائج ذات بال، ولن يضمن لهم الحفاظ على الإنجاز، وإن خدعتهم مظاهر تقدمهم الكمي والتكديسي في بعض المحطات، المنبتة عن عوامل القوة الحقيقية، والبعيدة عن أسس الارتكاز والتجذر المانعة من الانهيار السريع، وسوف يستمر مسلسل إضعافهم، وتسهل إزاحتهم عن مشهد التأثير في كل مرة تتاح لهم فيها الفرصة لذلك.



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

الأكثر قراءة