التعليم الناجح في ثلاث حكايات

عمال الحفر جاهزون، والكرة الأرضية أصبحت صلبة ليس في جوفها حمم بل صخور جامدة. هيّا احفروا. بعد عمل شاق حفرنا نفقاً في الكرة الأرضية يمر بمركزها. ثقب طوله 13 ألف كيلومتر. وفجأة سقط أحد العمال في النفق. فماذا سيحدث؟

 

سيظل هابطاً بفعل الجاذبية ليصل إلى مركز الجاذبية الأرضية وهو مركز الأرض، ثم بفعل سرعته سيستمر في الهبوط حتى الطرف الأخر للنفق. ثم سيجذبه مركز الجاذبية فيعود.. وسيظل يتأرجح من فم النفق إلى نهايته، وفي كل مرة تقل المسافة بفعل احتكاكه بالهواء واصطدامه بجدران النفق.. وأخيراً سيستقر العامل المسكين في مركز الأرض. فماذا لو لم يكن هناك هواء، ولا اصطدام بجدران النفق؟ عندئذ سيظل صاحبنا يروح ويجيء في النفق بلا نهاية.

 

 الكتاب المدرسي مصمم ليكون هراوة تقرع رأس التلميذ قرعاً فيحفظ المعلومات ويكتبها في الامتحان، ثم يفيق من أثر الضرب على رأسه وينسى كل شيء
 

صبراً فما هذا بدرس في العلوم، بل كلام في التعليم. (والمثال مأخوذ من كتاب الفيزياء المسلية لياكوف بيريلمان). طبعا التلميذ في الصف السابع سيحفظ القصة. وسيتعلم القانون الأول لنيوتن (الساكن يبقى ساكناً، والمتحرك يظل يتحرك بنفس السرعة ما لم تؤثر عليه قوة). وسيعرف عن الجاذبية الأرضية ومركزها. وسيعرف قطر الأرض. فقط من هذه القصة. هناك ألف قصة أخرى تحتوي على مفاهيم علمية.

 

زميلتي روان الضامن كتبت (مع أختها ديما) كتاباً عن التعليم وهما دون العشرين من العمر. وأنا أحب أن أتطفل على كتب الناس وأسرق الأفكار. اسم كتابهما (مدارسنا في قفص الاتهام). معظمنا يخرج من المدرسة وقد نسي كل شيء. الكتاب المدرسي مصمم ليكون هراوة تقرع رأس التلميذ قرعاً فيحفظ المعلومات ويكتبها في الامتحان، ثم يفيق من أثر الضرب على رأسه وينسى كل شيء.

 

يجب أن يكون مؤلف الكتاب المدرسي خفيف الروح، محب للأطفال، ويعرف الكتابة، والرسم، والتسلسل في إيراد المعلومات، وأن يكون قارئ، وأن يعرف لغة أجنبية، وأن يكون مرتاحاً في حياته

ها هي قصة ثانية. جاءت المعلمة إلى الصف ومعها قارورتان: واحدة فارغة، وأخرى فيها قطع من الجبن! قالت: لن أفتح القارورة الفارغة أبداً، فهي ليست فارغة.. فيها غاز الكلور، وهو خانق. وانظرن إلى هذا الجبن؟ إياكن أن تضعنه في أفواهكن.. إنه سام، هذا ليس جبناً، هذا صوديوم. فماذا لو تفاعل غاز الكلور السام مع الصوديوم السام؟ سينتج من التفاعل كلوريد الصوديوم.. وهو ملح الطعام. وأخرجت المعلمة من حقيبتها مملحة صغيرة ورشت منها على راحتها وتذوقت بلسانها. هل ستنسى التلميذات كلوريد الصوديوم بعد هذه المسرحية؟

 

قبل أن نربي التلميذ تربية علمية لا بد من تربية المعلم، وقبل تربية المعلم لا بد من تربية مؤلف الكتاب المدرسي. هذا المؤلف يجب أن يكون قد تزود بعلم غزير، وأن يكون عاشقاً للعلم. (أين نجده يا حسرة! قولة المثل الإنجليزي: هؤلاء لا تثمر بهم الأشجار). وشرط آخر: أن يكون المؤلف خفيف الروح، وشرط ثالث: أن يكون محباً للأطفال، وشرط رابع: أن يعرف يكتب، ويرسم، ويتسلسل في إيراد المعلومات، وخامس: أن يكون قارئاً، وأن يعرف لغة أجنبية، وسادس: أن يكون مرتاحاً في حياته.

 

مفهوم، مفهوم! مستحيل العثور على هذا الشخص. فلتكن إذن لجنة. وليكن أفرادها متنوعين في مهاراتهم، ووجداناتهم. وليكن فيهم شخص اسمه الدينامو.. شخص يقود ولديه رؤية. هذه اللجنة ليست مستحيلة.. وهي موجودة إذا كان البلد يتمتع بالحرية. وإذا كان لدى حكام البلد أولوية "ثانية" هي النهوض بجيل المستقبل. (بالطبع أولويتهم الأولى أن يستمروا في الحكم).

 

هل يستحيل على بلد عربي قامع للناس أن يشكل لجنة كهذه؟ نعم يستحيل. الحرية شرط. الحرية تعني أن المواطن يشمخ ويحس بأنه مهم. الأمر ليس أبيض أو أسود. هناك بلدان عربية فيها قدر من الاستقرار، وفيها خير، وفيها بعض الحرية.

 

في المدرسة الصناعية ثمة منظر جميل.. سيارة مفككة على أرض المشغل، والطلبة وأستاذهم يتعلمون فك المحرك وتركيبه من جديد، ويتعلمون وظائف الفرامل ومشكلاتها، ويتخرجون بعد سنتين عمال ميكانيك جيدين.

 

لم يتعلم تشارلز في جامعة، ولم يكمل المدرسة. كان يساعد أباه في عمله، وتزوج باكراً وكان له ستة أطفال، وراح يجرب. وأخيراً نجح في أن يحول خياله إلى حقيقة. ولو أن لإطارات السيارات ألسنة لنطقت بالشكر لهذا الرجل
 

لكن ما نريده أن نصنع سيارة. وفوق ذلك نريد أن نبتكر محرك سيارة يعمل بكفاءة أعلى، وأن نبتكر خلايا ضوئية تصنع كذا وكذا. المدرسة الصناعية جيدة. وكلية الحاسوب جيدة. والطلبة يتخرجون قادرين على "الصيانة" وعلى "تشغيل" الأجهزة. لكن الابتكار شيء يحتاج إلى أكثر من ذلك. يحتاج إلى الخيال، وإلى العلم الغزير. مصانع الأدوية جيدة اقتصادياً، تأتي بالوصفة من ألمانيا وتخلط الكميات وتصنع منها أقراصاً. لكن البحث العلمي العميق يجعلها تستنبط أدوية جديدة. الأمر يحتاج إلى بحث كثير، وإلى خيال.

 

وهذا يفضي بنا إلى قصة ثالثة. لعل نعل حذائك من المطاط! أما إن كان من جلد طبيعي فأنت من الأغنياء، ولا يهمك أن تسمع قصة المطاط! لكن لعل سيارتك الفارهة ذات إطارات من طراز غوديير! إذن فسوف تسمع قصة السيد "تشارلز غوديير".

 

لم يتعلم تشارلز في جامعة، ولم يكمل المدرسة. كان يساعد أباه في عمله، وتزوج باكراً وكان له ستة أطفال، وراح يجرب. وأفلس وسجن، وفي سجنه واصل تجاربه. رأى المطاط دبقاً سريع الاهتراء، و"تخيل" صاحبنا غير المتعلم مطاطاً صلباً لكنه لين، ولين ولكنه ليس دبقاً. ولم يكتف بالخيال، فظل يجرب ويبحث. وخرج من السجن، واقترض المال من كل من يعرفه. جاع أولاده وهو يجرب. وأخيراً نجح في أن يحول خياله إلى حقيقة. لو أن لإطارات السيارات وللشباشب ألسنة لنطقت بالشكر لهذا الرجل.

 

يتميز الإنسان عن الحيوان بأنه يرى غير المرئي. بأنه.. يتخيل.



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

ملأت المنظمات التعليمية الأهلية الفراغ الذي تركه سقوط الحكومة المركزية في الصومال عام 1991. ويعد قطاع التعليم في الصومال من القطاعات والمجالات القليلة التي صمدت بوجه الحروب والظروف الصعبة للبلاد.

في العام الفائت، أنشئ "صندوق التعليم لا يمكن أن ينتظر" لسد فجوة التمويل عند وقوع الكوارث. وكان ذلك مشجعا وحظي بدعم أممي. لكن الحقيقة هي أن التمويل لم يواكب الاحتياج.

الأكثر قراءة