لماذا التمديد لبنكيران؟

صادقت لجنة "المساطر والقوانين" داخل حزب "العدالة والتنمية" الإسلامي المغربي على تعديل طفيف في قانونها الداخلي لكنه كبير من حيث المعنى والمغزى. الأمر يتعلق بالمدة التي تحدد ولاية الأمين العام للحزب في ولايتين اثنين لا أكثر، وبموجب التعديل الجديد أصبح من حق الأمين العام أن يترشح لنفس المنصب لثلاث ولايات متتالية كل واحدة منها تستمر أربع سنوات.

 

هذا التعديل كان سيمر مرور الكرام لو أن الأمر تعلق بحزب آخر غير "العدالة والتنمية" الذي يقود الحكومة في المغرب لولايتين تشريعيتين متتاليتين منذ عام 2011، خاصة وأنه جرى في بلد يعج بـ "الأحزاب السياسية"، التي لا يعرف مواطنوه أسمائها ولا أسماء "زعمائها" الذين يخلدون على رأسها حتى يأتيهم الموت بغتة.

 

ما جعل خبر تعديل القانون شيئا مهما هو وجود عبد الإله بنكيران، رئيس الحكومة السابق الذي أعفاه الملك بعد "فشله" بتشكيل الحكومة
 

ما جعل هذا التعديل "الطفيف" حديث وسائل الإعلام المغربية ليس السياق السياسي الذي حدث فيه، لأن هناك "أحزاب" و"نقابات" بايعت "زعمائها" منذ لحظة تأسيسها، وعلى رأس الوزارات والإدارات وزراء ومديرون "مخلدون" تتغير الحكومات وتخرج المظاهرات تطالب بإقالتهم ويستمرون في وزاراتهم وإداراتهم بلا انتخاب ولا محاسبة أو مسائلة.

 

ما جعل من خبر صغير كان يمكن ألا ينتبه إليه أحد في بلد لم تعد فيها الأحزاب السياسية تخلق الحدث ولا زعماؤها صانعوا الأخبار، هو وجود شخص اسمه عبد الإله بنكيران، الأمين العام الحالي لحزب "العدالة والتنمية"، ورئيس الحكومة السابق الذي أعفاه الملك بعد "فشله" في تشكيل الحكومة التي يقودها حزبه اليوم!

 

وفي الحقيقة، ما كان الأمر ليُلفت الانتباه لو تعلق الأمر فقط بمنح الأمين العام الحالي للحزب الإسلامي الوحيد المعترف به رسميا في المغرب (هناك حزب آخر صغير جدا معترف به لكنه بلا قاعدة شعبية)، الحَقَّ في الترشُّح مرة ثالثة لزعامة حزبه، فقد سبق لنفس الحزب أن مدد لأمينه العام الحالي في مايو / أيار 2016 لعام واحد ما زال مستمرا حتى يوم الناس هذا، حدث ذلك بتصويت بلغت نسبته أكثر من 95 في المائة ولم يٌثر الخبر حينها كل هذه الضجة التي أثارها خبر تصويت 22 عضوا من أعضاء لجنة "المساطر والقوانين" ضد 10 أعضاء من نفس اللجنة على تعديل المادة التي تفتح الباب مجددا لزعيم الحزب المثير للجدل للترشح لولاية ثالثة في مؤتمره الذي سيعقد في ديسمبر / كانون الثاني المقبل.

 

إن ما جعل من تعديل مادة صغيرة بالقانون الداخلي لحزب أصبح يتحول تدريجيا لرقم عادي داخل الساحة السياسية المغربية، حدثا إعلاميا، ليس هو السياق ولا الشخص، وإنما هي رهانات الأشخاص المتصارعين حول المواقع والمناصب

قرار التمديد الذي صادق عليه أعضاء الحزب عام 2016 بإجماع داخلي، كان بهدف إلى منح زعيمهم فرصة قيادة الحكومة لولاية ثانية، وحصل على إجماع أعضاء الحزب لأن زعيمهم كان هو قائد الحكومة الكل يخطب وده ويُمنىّ النفس بالقرب من رئيس الحكومة قبل رئيس الحزب. أما بعد ما أزيح "الزعيم" من رئاسة الحكومة التي تولاها غيره فقد تغيرت الولاءات طبقا لمقولة مغربية مأثورة مفادها "الله ينصُر من أصبح"، أي أن الولاء يكون دائما للمنتصر!

 

إن ما جعل من تعديل مادة صغيرة في القانون الداخلي لحزب أصبح يتحول تدريجيا إلى رقم عادي داخل الساحة السياسية المغربية، حدثا إعلاميا، ليس هو السياق ولا الشخص، وإنما هي رهانات الأشخاص المتصارعين حول المواقع والمناصب كل طرف يجتهد في لي عنق الديمقراطية حسب موقعه وأهدافه ومصالحه ورغباته.

 

فالذين صوتوا لصالح منح فرصة ثالثة لزعيمهم للترشح للبقاء على رأس أمانته العامة، يبررون سعيهم بالوسيلة التي سلكوها للوصول إلى الغاية، أي استعمال آلية الديمقراطية "التصويت" لحسم الخلاف حول التجديد لزعيم الحزب، فالوسيلة هنا هي التي تبرر الغاية وليس العكس!

 

والذين عارضوا القرار يدفعون بالحرص على "ديمقراطية" حزبهم الداخلية التي لم يحرك أي منهم ساكنا يوم التمديد لزعيم الحزب بالتصفيق عندما كان رئيسا للحكومة، أو لما كان زعيم الحزب ورئيس الحكومة يتخذ قرارات فردية يتدافعون في تبريرها ويتبارون في تسويغها!

 

وبعيدا عن التباكي حول "الديمقراطية" التي تحولت إلى "قميص عثمان" عند الطرفين، كلاهما يحاول تجييش أتابعه باسمها وهي بريئة منهما معا، ثمة ما هو مسكوت عنه لدى الفريقين هو الذي يكشف ما خفي، وكما يقال "وما خفي أعظم".

 

فالمؤيدون للتجديد لزعيم الحزب المعفى من طرف الملك من رئاسة الحكومة، يرون في التمسك به زعيما لحزبهم ردا للاعتبار له، ويرون في ذلك جوابا على قرار الإعفاء الملكي الذي أزاح "زعيمهم" "الكاريزماتي" وفضل عليه "قائدا" من "الدرجة الثانية" داخل نفس الحزب (حتى لو سبق لهذا القائد من الدرجة الثانية أن كان ذات يوم أمينا عاما لذات الحزب) ليرأس الحكومة.

 

بنكيران ظل منذ أن كان الحزب مجرد "حركة دعوية"، حاضرا بقوة في كل محطات تحوله، بل وصانع أهم قراراته، ومنذ عام 2008 وهو يوجد على رأسه
 

ومن يعارضون التجديد لولاية ثالثة للأمين العام الحالي لحزبهم، لا يفعلون ذلك حرصا على "ديمقراطية حزبهم الداخلية"، وإنما استجابة لـ "إشارة ملكية" قرؤوها في قرار الملك الذي أزاحه من رئاسة الحكومة، فهم يخشون عواقب التمسك بمن يعتبرونه "مغضوبا عليه" من طرف الملك على مستقبل حزبهم وحركتهم ومقاعدهم الوزارية والنيابية أكثر من خشيتهم على مآل الديمقراطية داخله.

 

وبعيدا عن مواقف الطرفين التي تمليها مواقعهما ومصالحهما، ما الذي يعنيه اليوم التجديد لزعيم حزبي مثل بنكيران على رأس حزبه؟ وما الذين يمكن أن يحمله بنكيران لحزبه إن هو بقي على رأسه لولاية ثالثة أو رابعة حتى؟

 

فبنكيران ظل منذ أن كان الحزب مجرد "حركة دعوية"، حاضرا بقوة في كل محطات تحوله، بل وصانع أهم قراراته، ومنذ عام 2008 وهو يوجد على رأسه، قضى منها 5 سنوات يجمع بين رئاسة الحكومة وزعامة الحزب، وكانت إزاحته من رئاسة الحكومة، حتى لو تمت بقرار سلطوي نزل عليه من فوق، بمثابة إعلان صادم لفشل مشروعه السياسي الذي يقوم على الإصلاح التدريجي من الداخل وفي ظل الاستقرار والاستمرار.

 

ولا يعني فشل هذا المشروع أن من عوض بنكيران على رأس الحكومة يحمل مشروعا ثوريا، أو فقط مخالفا، وإنما يعني أن هذا المشروع لم يوجد قط إلا في ذهن من روج له وبشر الناس به وزين لهم طريقه، لأن إرادة الإصلاح في المغرب ليست في يد الحكومات وإنما هي عصا بيد القصر يهش بها أين ما شاء وحينما يشاء وعلى من يشاء والحكومات في المغرب لا تستطيع أن تهز رأسها فوق هذه العصا لأن من يدخل بيت الطاعة يسلم أمره وقراره وإرادته لرب البيت.

 

من يروجون اليوم لاستمرار بنكيران على رأس حزبه بدعوى أنه يحمل مشروعا إصلاحيا ديمقراطيا هم واهمون، لأن الرجل مُنح خمس سنوات قضاها على رأس الحكومة ولم يفي بوعوده
 

لقد ظل بنكيران طيلة خمس سنوات على رأس الحكومة منفذا للأوامر ومطيعا للتعليمات ومطبعا مع الفساد وحاميا للمفسدين ومغدقا على الوزراء والبرلمانيين وكبار الموظفين وصامتا عن انتهاكات حقوق الانسان وغير مبال بالتراجع عن القليل من المكتسبات التي تحققت عبر سنين من النضال بالعرق والدم.. صارما مع الفقراء لا يتردد في فرض الزيادات في الأسعار والخصم من الأجور التي جمدها وتنفيذ توصيات المؤسسات النقدية الدولية التي تستهدف جيوب الفقراء وتضييق الخناق على لقمة العيش في بلد ضاق فيه باب الأمل وتكبر فيه يوما عن يوم آلام وأحزان البسطاء..

 

من يروجون اليوم لاستمرار بنكيران على رأس حزبه بدعوى أنه يحمل مشروعا إصلاحيا ديمقراطيا يضع في صلب اهتمامه هموم الفقراء ومشاغل عامة الناس فهم واهمون، لأن الرجل الذي مُنح خمس سنوات قضاها على رأس الحكومة ولم يفي بوعوده لا يمكن تصديق أي من الوعود التي يبرر بها اليوم بقائه على رأس الحزب طمعا في العودة إلى رئاسة الحكومة..

 

ومن يعارضون بقاء بنكيران على رأس الحزب بدعوى حرصهم على "ديمقراطية الحزب الداخلية"، مخادعون ومنافقون لأنهم يقولون ما لا يفعلون فأغلبهم كانوا وزراء "فاشلين" في الحكومة السابقة ويستمرون وزراء في الحكومة الحالية ومع ذلك يعارضون استمرار زعيمهم على رأس الحزب بدعوى الحرص على التداول في المواقع والمناصب!

 

كلا الفريقين لا يدافع سوى عن مصالحه ودودا عن مواقعه. إنها معركة بلا مجد، بطلها رجل كٌسر كبرياؤه وطٌعن من أقرب الناس إليه بل ومن من أحسن إليهم وصَنع مجدهم وفتح لهم أبواب الرزق اليسير والوفير من خزائن الدولة وأموال دافعي ضرائبها.. إنها معركة كبرياء "بطل بلا مجد" لا تخص إلا صاحبها أما معارك الشعب الحقيقية فهي تلك التي يخوضها عامة الناس يوميا في صمت وصبر في انتظار أن ينبلج نور الصبح الذي لا يبدو أنه قريب.



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

أكد رئيس الحكومة المغربية سعد الدين العثماني أمس الجمعة أن حكومته لن تقطع مع عملية الإصلاحات التي بدأتها حكومة سلفه عبد الإله بنكيران على مختلف المستويات، وستعمل في إطارها.

الأكثر قراءة