كيف تلعب سياسة؟.. دروس من كركوك

إن الذي جرى في محافظة كركوك يوم ١٦ تشرين الأول الجاري، كشف عن دروس غاية في الأهمية لمن أراد الاعتبار والتفكر، إن إعادة انتشار الجيش والقوات الاتحادية في المناطق التي كانت تشغلها قبل حصول الأحداث ودخول داعش واحتلالها بعض الأماكن في حزيران ٢٠١٤، أن هذا الانتشار إنما هو إجراء دستوري متوازن ومقبول وكان ينبغي التعاطي معه اتحاديا بأنه مجرد إعادة انتشار وليس "تطهير أو تحرير أو فرض سيطرة " كما كانت بعض البيانات الرسمية تشير إليه.
        
ولعل الجهة العسكرية الوحيدة التي كانت تؤكد في بياناتها على هذا المبدأ "إعادة الانتشار" هي جهاز مكافحة الاٍرهاب، كما وكان ينبغي التعاطي معه محليا من قبل إقليم كوردستان والحكومة المحلية في كركوك بأنه عودة إلى الدستور والحلول التي وردت فيه بخصوص هذا الانتشار من جهة ومآلات الأمور من جهة أخرى وحسب المادة ١٤٠ من الدستور المعنية بهذا النزاع الداخلي، ألا أن هؤلاء الآخرين تعاطوا مع الأمر باعتباره "عملية عسكرية للسيطرة وليس إعادة انتشار وإعلان حرب على مكون من مكونات الشعب العراقي، ونسف لأسس الدستور بعدم استخدام القوة العسكرية لحل الخلافات السياسية".
          
لقد كشف ما جرى أننا لا نزال بعيدين جدا عن أحزاب سياسية قائمة على أسس ومنطلقات سياسية وبرامجية تعكس مصالح وهموم الناس، وإنما أحزاب أشخاص أو مصالح فئوية ضيقة، أو أيدلوجية محدودة بنفر محدود، بحيث أن القرارات داخل هذه الأحزاب إنما تتخذ بعيدا عن الناس وانعكاساتها عليهم، فالأصل أن تكون هذه القرارات تحافظ على الحضور الحزبي وإنتاج القادة الحزبين وليس تثبيت أسس التمكين للناس ورعاية مصالحهم كما توجب ذلك الحياة الحزبية الحقة.
   
آن الأوان للمواطن العراقي بمختلف تنوعاتهم، أن يعوا هذه اللعبة السياسية أتم الوعي، وأن الشعارات الدينية والقومية التي يتغنى بها قادة الأحزاب السياسية قابلة للأخذ والرد والحكم عليها

 

بأسف بالغ وقلب كسير وألم مرير نقول أن ما جرى كانت أهدافه الأساسية تصفية حسابات حزبية وتسقيط هذا الطرف أو ذاك نقول هذا ليس حبا في هذا الطرف أو كرها لذاك، فلسنا معنيين بهذه الحسابات وهذا شأنهم الحزبي الذي نحن بعيدون عنه، وإنما للمأساة الإنسانية التي وقعت للمواطن الكركوكي الموادع المسالم، الذي جوزي جزاء سنمار عن صبره وتحمله طيلة الفترة المنصرمة أملا منه بأن يبوء القوم إلى الرشد وترك المراهقة السياسية والاقتصادية والإدارية التي وصم بها المتصديين للشأن العام، لقد تُرك المواطن الكركوكي من مدنيين وعسكريين في جهل تام ومطبق عن الحدث الذي يواجهونه بل الأزمة والخطر المحدقان بهم، أن النتيجة التي رأيناها كان يمكن الإعلان عنها نهار يوم الأحد أو ليلة الإثنين كحد أقصى وليس صباح الإثنين بعد إراقة الدماء "العراقية" الطاهرة البريئة، ونزوح مئات الآلاف منهم أغلبيتهم أطفال ونساء وشيوخ.

          
لقد آن الأوان للمواطن العراقي -بمختلف مشاربهم وتنوعاتهم- أن يعوا هذه اللعبة السياسية أتم الوعي، وأن الشعارات "الدينية والقومية وغيرها" من التي يتغنى بها قادة الأحزاب السياسية إنما هو أمر قابل للأخذ والرد والحكم عليها يكون من خلال الأفعال وليس الظواهر الصوتية التي ضجيجها يملأ المكان والأسماع ليل نهار، لقد آن لهذا المواطن أن يجعل بينه وبين الأحزاب مسافة يحتفظ فيها لنفسه استقلال قراره ورباطة جأشه وضربه أخماسه بأسداسه، قبل أقدامه على اتباعهم في أمر أو تنفيذ أي توجه.
 
إن بناء أسس العيش المشترك الكريم وإزالة مخاوف التهميش والاضطهاد حاجة ضرورية ملحة وليست اكسسوارات يجمل بها مشهد هنا وآخر هناك

لقد آن له مغادرة خانة الإتباع التام الأعمى، وتدمير ذاكرته التي وصمه بها من وثق به بأنها ذاكرة سمكية قصيرة وزائلة، وبالتالي ممارسة أقصى غايات التلاعب بمصيره ومشاعره وأسس حياته فهو سريعا ما يرجع إلى بيت الإتّباع طالما حركنا فيه مكامن العواطف من دين أو مذهب أو قومية، يقول السياسيون: إنها فرصة كبيرة لبروز قادة محليين حقيقين من داخل كركوك من ملح أرضها وعلو سمائها فيأسسوا معا عملا مشتركا لإدارة المحافظة بما يضمن تمثيل عادل لجميع مكوناتها وجعل قرارها بيد أهلها، فالأحداث الأخيرة أثبتت أن كثير من المتصدين للشأن الكركوكي العام جل خسارتهم في كركوك كانت بناء من حجر بناه على مضض وتركه على عجل!

     
إن كركوك تحتاج أناس من اَهلها ولدوا فيها ويحيوا في سبيلها، إنها ليست بحاجة لمن يقضي ساعات عمله فيها ثم يغادرها، ولا الذي جسده فيها وقلبه معلق بمصدّر أوامر من خارج حدودها، هل يعي من تصدى أو سيتصدى للشأن العام فيها ذلك فلا يضيعوا فرصة قد لا تعود أبدا، نأمل ذلك، إن المناطق المختلطة والتي تمتاز بتنوع مكوناتها دينيا وقوميا ومذهبيا لا يمكن أن تدار بمبدأ الأغلبية السياسية فمحافظات مثل كركوك ونينوى وديالى ينبغي أن يكون لها خصوصية من حيث الإدارة وتوزيع المسؤوليات الإدارية العليا فيها.
        
فالمصالح والاحتياجات متنوعة كما أن السلم المجتمعي والتعايش الإيجابي فيهما يحتمان التعامل وفق عقلية الطبيب الجراح الحاذق وليس المدير الصارم الجاف، إن بناء أسس العيش المشترك الكريم وإزالة مخاوف التهميش والاضطهاد حاجة ضرورية ملحة وليست اكسسوارات يجمل بها مشهد هنا وآخر هناك، فالمجتمعات المتنوعة كالطيور لا تحلق عاليا وبسلام بجناح واحد.


المزيد من المدونات

حول هذه القصة

الأكثر قراءة