ثم يطمع أن أزيده..

في مدِّ الحياة الجارِف، تتيه الخُطى في جريها الحثيث نحو أصداف السراب المدسوسة تحت رمال المطامع، وتتلاحق الأنفاس في الحناجر كلما التمَع بريق الدرهم والدينار، مادية متوحشة سحقت تفاصيل إنسان ما بعد الحداثة، سلبت روحه وأذكت طموحه في اعتلاء مدارج الطين الموحلة، حب الامتلاك تملَّك الرؤى والأحلام، وغاص في ثنايا الروح، حتى ما عاد فيها ذلك الطهر المتوضئ، النابع من فطرة نقية استودعها فيها الخالق.
           
وقد كنت جليسَ قومٍ قامت قيامتهم وامتقعت ملامحهم الكالحة، وطفا طوفان الحسرة على مُحيا أكثرهم، وكان أنْ فار تنُّور المطامع حين بدَت غنيمةٌ باردة، لكن سبقهم إليها حاذِق، وداعي الفلاح يخترق بصوته العذب منابت الشوق في قلوب الصالحين، عباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا، والقوم سكارى وما هم بسكارى ولكن لُهاثهم يختلط بِحَرِّ أكبادهم المتحسرة، لا يرون فلاحا إلا في هذا الفناء الطافح بلوامع الترف الخادعة.
                  
السعيد من وازن بين حظوظ نفسه وحظوظ روحه، دون أن يُغَلِّبَ جانبا على الآخر، وهذا أمر محمود لا يخالف الفطرة والطبيعة

     

أرواح شيدت عليها عناكب الطمع بيوتا، طال عليها الأمد فتكاثرت وتكاثفت وأخضعت الطباع لوهنها، فهان على الناس دينهم وأخلاقهم، واستحكمت القسوة من قلوبهم، وأحكمت قبضتها على واقعهم وحياتهم إلا من رحم الله، فهذا يقطع الصلات من أجل الفُتات، وذاك يبرم على أنقاض القِيَم الصفقات، وآخر يستهين بحق الحياة في سبيل دراهم معدُودات، وابنٌ يَعُدُّ الأيام والساعات لأبيه يستعجل له الوفاة من أجل الميراث، وأب جشِع يدفع ابنته للشوارع والحانات، ومن أجل المطامع أُبيدت شعوب واحترقت حضارات، ولو ظللنا نضرب الأمثال ما انتهت هذي المطامع، ويكفيك أن تفتح نافذتك على الشارع لترى بأم عينيك مرارة هذا الواقع. 

             
ويكأننا في ذلك الزمن الذي أخبر عنه سيد الخلق حبيب الخالق.. عن قوم يبيعون دينهم بعرَض من الدنيا قليل، بل نحن فيه تحقيقا لا تعليقا، نتجرع سبي الضمائر، وتُرَّهَات المنابر، وقد اعتلاها أئمة وعلماء باعوا النفس من أجل فِلس، وقلَّبوا الأحوال والأقوال من أجل مال، فمال الناس عنهم، وما عاد لصوت الحق آذان تسمع وقلوب تخشع، أما تالِي التنزيل فثالث الأثافي، وإن أبكى العيون وأخرس القوافي.
            
ليس زُهدا ولا تفلسفا أُسَطِّرُّ هذه الحروف، وإنما حاك في الصدر تكالب الإنسان على سحق آدميته وخدش روحه التي بها قِوام إنسانيته وسر أفضليته على من سواه من الخليقة، فمطامع النفس إِلَّم تُخطم بخطام الدين والقيم والفضائل فاض نَتَنُها، وانسكب خُبْثُها وخَبَثُها على الروح فتذبل زهرتها، وتنطمس شمعتها، وتهوي في غيابات التيه والضلال ويصير الإنسان عدوا لنفسه ونظيره، بل خطرا يهدد الخلائق، ويبارز الخالق بشتى أنواع الذنوب والبوائق.
           
وليست كل المطامع مذمومة غير مرجوة، فلا بد للنفس الآدمية من شيء من الطمع يدفعها لاكتساب المنافع واستجلاب المصالح، بما يحفظ للإنسان كرامته ومبادئه ويجنبه مواقف المذلة والسوء، والسعيد من وازن بين حظوظ نفسه وحظوظ روحه، دون أن يُغَلِّبَ جانبا على الآخر، وهذا أمر محمود لا يخالف الفطرة والطبيعة. 


المزيد من المدونات

حول هذه القصة

الأكثر قراءة