الاستقلال عن العائلة.. أو كيف دمرتنا العولمة باسم النجاح؟

بدأت كتابة هذه السطور حول الأسرة؛ فإذا بي أجد نفسي أفكر في الأنظمة الدولية في عالمنا الحالي، مما ذكرني بمفهوم كل من الدولة والأسرة وهذه الاخيرة هي جماعة من الناس، يعيشون مع بعضهم البعض تحت سقف واحد، وتربط بينهم صلة القرابة والرحم، وهي اللبنة الأساسية في بناء المجتمعات، وتنقسم الأسرة إلى ثلاثة أنواع: الأسرة النووية، وتتكون من الأم، والأب، والأبناء، والأسرة الممتدة، وتتكوّن من الأم، والأب، والأبناء، والجد، والجدة، وغيرهم إن وجد كالأعمام والعمات.

أما الدولة في نظر فقهاء القانون الدستوري: "كيان إقليمي يمتلك السيادة داخل الحدود وخارجها، ويحتكر قوى وأدوات الإكراه". أما المفهوم الذي يهمنا والأقرب

إلى موضعنا هو توفر الدولة على أرض بحدود واضحة وسلطة تخضع لها، وشعب واعتراف دولي. وهذا المفهوم يتناسب مع مفهوم الأسرة إذا ما انتبهنا إلى ما سيتم ذكؤه في السطور التالية.

عهدنا في مجتمعاتنا العربية أن يظل الابن مقيما في بيت أهله إلى أن يتزوج ويترعرع أبناؤه مع أبناء أعمامهم مكونين عائلة ضخمة. ربما هي الأوساط والظروف التي كانوا يعيشون فيها تحتم عليهم البقاء مجتمعين لمواجهة كل التحديات. يوجد في المغرب بعض القبائل التي كان أفرادها يتنافسون لتكوين أكبر عائلة، وهذا دليل على قوة نسبهم ونفوذهم في المنطقة، ولعل هذا راجع إلى قدرتهم على تسيير عدة نشاطات مدرة للدخل بطريقة اجتماعية وكأنموذج مصغر عن مجتمع اشتراكي يسمح لأفراده بالعمل من أجل بناء عائلة كبرى، وليس من أجل تأسيس ثروة شخصية. لكن هذا لا يمنع انفصال أحد الأبناء حسب رغبته أو لعدم تفاهمه مع رب الأسرة والذي غالبا ما يكون الأب الأكبر أو الأخ الأكبر في العائلة. هذا الشخص الذي يختار الاستقلال ستكون حياته صعبة في بدايته بسبب عزله عن فوائد "السوق المشتركة" لكونه قام باختيار أناني لهذا سيتم عزله كعائلة غريبة عنهم.

كنت أفكر يوما في أنني قد أتزوج وأتحدى النظام المجتمعي الحالي وأبقى مع عائلتي متحملا مسؤولية عائلة متوسطة الحجم، لكن هذا طرح إشكال مواجهة موضة العائلة المجهرية
 

في عصرنا الحالي، عصر العولمة وانقلاب الموازين، صار الشخص الناجح هو من يستطيع الاستقلال عن عائلته مبكرا ليؤسس حياته بدون اتكالية على أحد. في هذا المنحى العصري لمفهوم الأسرة الناجحة صرنا نسمع مصطلح "الأسرة النووية" التي تتكون من أم وأب وأبناء وكفى. يمكننا ترجيح عوامل انتشار هذا النوع من الأسر في مجتمعنا أولا إلى هيمنة العولمة التي غيبت كل الحدود الثقافية والاقتصادية وجعلت الثقافات تختلط، مما دمج شيئا من مبادئ الرأسمالية في البنية المجتمعية لمفهوم الأسرة. سيطرة الفردانية والحرية الفردية أدت إلى خلق جيل جديد في المجتمعات العربية التي تطمح إلى الاستقلال المادي والاجتماعي. فغالبا ما يسيطر على فكر الشباب الحصول على وظيفة بعد التخرج للبحث عن الاستقرار الاجتماعي عن طريق الزواج. فإذا كان مقيما مع عائلته فسيكون مخيرا أن يترك عائلته لأنه أصبح قادرا على أن يعتمد على مدخوله الخاص أو أن شرط الزواج في محيطه أصبح مقيدا بالتوفر على سكن خاص مستقلا على العائلة.

هذا هو السياق ذاته، بتحول النظام العالمي وانتقاله من الإمبراطوريات والممالك والاتحادات والفيداراليات إلى دول مجهرية وأقاليم وجهات حديثة الانفصال والمطالبة بالاستقلال. لأنها لم تعد تأبه لقوة وشساعة أراضي جيرانها ما دامت أنها أصبحت قادرة على الاعتماد على نفسها بثروتها المحلية وتعتقد أن هويتها وقوميتها أكبر من وطنية تضم عدة هويات، مما يضعنا أمام عالم هش يتفتت كقطع puzzle تعتقد كل قطعة أن صورتها الخاصة تكفيها للتعرف عن ذاتها. إذا ربطنا بين الموضوع المجتمعي والدولي وهو أمر منطقي لأن أساس الدولة هو ترابها ونظامها ومجتمعها، فإننا نجد أن قيم الأنظمة السياسية والاقتصادية التي تنتجها الحضارة الإنسانية تؤثر بشكل أفقي من المنظومة العليا إلى أصغر نظام إنساني في مدى تماسكها أو تفككها.

أخبرني صديق لي أنه بعد زواجه بسنتين بدأ يلاحظ انخفاض زياراته لعائلته، ولما قرر الانتقال إلى مدينة أخرى لم يعد يتصل بهم إلا في الحالات الطارئة وهذا حقق بالنسبة له حالة من السكيزوفرينية
 

كنت أفكر يوما في أنني قد أتزوج وأتحدى النظام المجتمعي الحالي وأبقى مع عائلتي متحملا مسؤولية عائلة متوسطة الحجم، لكن هذا طرح إشكال مواجهة موضة العائلة المجهرية التي ستضعك أمام مفاوضات ضارية مع الزوجة وأهلها، ومن الصعب إيجاد من يقبل بهذا، ولا يحذرك من مغبة الخلاف بين الأم والزوجة. كما يحذر أي حزب قومي من بقاء شعب تحت الحكم الذاتي، فالاستقلال يبقى غير تام أيا كانت الوضعية القانونية.

أخبرني صديق لي أنه بعد زواجه بسنتين بدأ يلاحظ انخفاض زياراته لعائلته، ولما قرر الانتقال إلى مدينة أخرى لم يعد يتصل بهم إلا في الحالات الطارئة وهذا حقق بالنسبة له حالة من السكيزوفرينية، حيث صار يشعر أنه متفرغ لحياته الجديدة وينعم باستقلاليته المنشودة، وفي الوقت نفسه يشعر بتأنيب ضميره له؛ لأنه أهمل شيئا تجاه والديه، وهذا شيء من نكران الجميل على حد قوله، فإرسال المال والاعتناء بمصاريفهم ليس كل شيء فهم يحتاجون لوجوده في بعض الأحيان إلى جانبهم على حد قوله.

ربما كان شيئا من التعميم طاغيا في هذه السطور؛ لكن القاعدة تغلب على الاستثناء أنه لا يمكن لأحدنا نكران وجود عدة حالات في منطقته وحيه وعائلته، مما قد يدفعك للتفكير في إمكانية إقامة اختيار الاستقلال أو الحكم الذاتي بعد اشتداد عضدك أو إقامة نظام استثنائي يوازن بين الخيارين، وهذا ما نطمح إليه في منظورنا للوسطية والاعتدال واختيار أصلح الأمور.



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

الأكثر قراءة