رهان الوعي البيئي في المغرب

blogs البيئة

في خضم ما يعرفه العالم من حركية واهتمام بالشأن البيئي، خاصة في ظل مشكلة الاحتباس الحراري التي أضحت تتهدد الإنسانية، سارعت بلدان كثيرة إلى اتخاذ قرارات بهدف الانخراط في هذه الدينامية الجديدة تجاه البيئة. ورغم أنه ليس مسؤولا أساسا عن تفاقم ظاهرة الاحتباس الحراري المخيفة، إلا أن المغرب بات من الدول الأكثر نشاطا وفعالية على المستوى البيئي، وتجلى ذلك في سن جملة من القوانين وتنظيم لقاءات وندوات في موضوع البيئة، هذا ناهيك عن الأهداف الجريئة التي وضعها المغرب في مجال الطاقات المتجددة والتي يروم من خلالها أن تشكل الطاقة النظيفة أكثر من نصف الإنتاج الكهربائي المحلي عام 2030. 

وإذا كان المغرب قد نجح إلى حد ما في مواكبة هذا الاهتمام العالمي بقضايا البيئة اقتصاديا وسياسيا، فإنه مازال لم يجد بعد المقادير الكمينة بوضع عموم المجتمع المغربي في صلب الإشكالات البيئية التي وإن لم يكن سببا مباشرا فيها، فإنه ليس في مأمن من أخطارها. 

ومن أسباب ضعف الوعي البيئي داخل المجتمع، محدودية تأثير فعل جمعيات المجتمع المدني المهتمة بالشأن البيئي التي ليس لها كبير أثر على الوعي البيئي، حيث تقتصر نشاطاتها على تنظيم ورشات واجتماعات قليلة وبعيدة من الجمهور، يعني أننا نفتقد إلى عمل يستهدف عمق الفكر المجتمعي ونقتصر على أنشطة غرضها دعاية إعلامية توهمنا أننا بصدد تنشئة بيئة جديدة، والحق أن الأمر لا يغدو أن يتعدى حدود مطويات ورقية تدعو قراءها إلى احترام البيئة. ولأن التربية البيئية ليست مجرد مطويات، فإنه لا عجب أن نصادفها وهي تؤثث جنبات الطريق أو قعر القمامة في نهاية المطاف.

مبادرة منع استعمال الأكياس البلاستكية بالمغرب تعكس الطريقة الفوقية التي تتخذ بها القرارات، فأي تحسن قد نجنيه من قرار الحظر لا يمكن أن يفهم منه نمو في الوعي المجتمعي تجاه سؤال البيئة
مبادرة منع استعمال الأكياس البلاستكية بالمغرب تعكس الطريقة الفوقية التي تتخذ بها القرارات، فأي تحسن قد نجنيه من قرار الحظر لا يمكن أن يفهم منه نمو في الوعي المجتمعي تجاه سؤال البيئة
 

والواضح أيضا أن ثمة رابطا سببيا أو علاقة جدلية بين منسوب الوعي البيئي داخل المجتمع والوضع الاجتماعي للأخير، فانطلاقا من تعريف التنمية المستدامة، تتكامل الأبعاد الاجتماعية والاقتصادية والبيئية للتنمية وتتداخل، لذلك فتمرير رسائل الوعي البيئي يرتبط نوعا ما بالمستوى الاجتماعي العام داخل المجتمع، ذلك أن مقدار الاستجابة يرتبط -من بين عوامل أخرى- بالوضعية الاجتماعية للفرد، حيث يصعب مثلا حض من لا يستفيد من رعاية صحية وتعليم مناسب وغيرها من الخدمات الاجتماعية الأساسية على احترام البيئة، فالناس عموما يبحثون عن ظروف عيش مناسبة من الناحية الاجتماعية والاقتصادية وإذا ما تحقق ذلك عندئذ يمكن أن يقتنع المجتمع بأهمية قضية البيئة كونها طرفا في معادلة التنمية المستدامة، لذلك فمن الخطأ الحديث عن ديمومة التنمية تحت مسمى التنمية المستدامة ولبنات التنمية وفق تعريفها التقليدي لم توضع بعد.

على صعيد أخر، تصاعد الحديث مؤخرا عن مفهوم الاقتصاد الدائري" The Circular Economy" وهو منظور جديد يقوم على إعادة استثمار مخرجات بعض الوحدات الصناعية بحيث تصير هذه المخرجات بمثابة مواد خام في وحدات أخرى، وهو ما يؤدي إلى الخفض من نسب الضياع سواء تعلق الأمر بالمادة أم بالطاقة. ورغم أهمية هذا المنظور الجديد نحو الاقتصاد إلا أن الاقتصاد الدائري مازال حبيس الملتقيات والموائد المستديرة، ولم يتمكن بعد من أن يفرض نفسه كنموذج اقتصادي بديل للاقتصاد الحالي الذي هو اقتصاد خطي.

مبادرة منع استعمال الأكياس البلاستكية كمثال على التزام المغرب بيئيا،- على أهميتها -فإنها تعكس الطريقة الفوقية التي تتخذ بها القرارات في المغرب، فأي تحسن قد نجنيه من قرار الحظر لا يمكن أن يفهم منه نمو في الوعي المجتمعي تجاه سؤال البيئة، ذلك لأنه اتخذ وفق مقاربة إرغامية، معنى هذا الكلام أن إقبال الناس على الأكياس التقليدية النظيفة ليس سلوكا تلقائيا واعيا حتى نعتبره إنجازا، بل هو ضرورة تفرضها قوة القانون، من هنا لا يجوز الحديث عن تحسن في التربية البيئية البتة.

ما نحتاجه اليوم هي استفاقة مجتمعية واهتمام أوسع بقضايا البيئة والأهم من ذلك هو أن نجعل من هذا الوعي المجتمعي المأمول الرافعة الأساس والمحرك الأول لسياساتنا الرسمية

ومن المظاهر المجسدة للخلل الذي يعتري مفهوم الوعي البيئي في المغرب، الجدل الذي أثارته صفقة استيراد نفايات من إيطاليا قبل سنوات قليلة، جدل كشف أن قطاعا مجتمعيا واسعا لم يكن على علم بأن النفايات بإمكانها أن تكون مصدرا طاقيا فعالا وليست مجرد نفايات بلا قيمة كما هو شائع. لذلك فإن دينامية المغرب الأخيرة بخصوص مواضيع ذات صلة بالبيئة حتى وإن كانت إيجابية المحتوى، فإنها ليست بقدر الإيجابية نفسه من وجهة نظر تواصلية، أقصد أن توعية المجتمع بفعل معين يجب أن يسبق الفعل نفسه، وإلا فإننا نجد أنفسنا مجبرين على فتح قنوات تواصل من أجل تفسير أشياء كان بودنا تفاديها لو نجحنا في وضع قواعد الثقافة البيئية.

ما نحتاجه اليوم هي استفاقة مجتمعية واهتمام أوسع بقضايا البيئة والأهم من ذلك هو أن نجعل من هذا الوعي المجتمعي المأمول الرافعة الأساس والمحرك الأول لسياساتنا الرسمية، أعني أن الأدوار الريادية التي ظهر فيها المغرب مؤخرا في إطار الحد من أثار مشكلة الاحتباس الحراري، والتي تمثلت أساسا في جملة من المشاريع العملاقة في مجال الطاقات المتجددة وكذا في استضافة مؤتمر مراكش العام الفائت، لابد أن تصاحبها حركية مجتمعية موازية، وهو دور تشترك فيه الدولة والجمعيات غير الحكومية والمجتمع المدني في عمومه.

يصعب الحديث عن تنامي في الوعي العام تجاه موضوع البيئة في ظل طغيان مظاهر ما يسمى بالمجتمع الاستهلاكي"consumption society"، والذي يراد به الإشارة إلى نزوع المجتمع إلى استهلاك المادة والطاقة دون أن يكون في حاجة ماسة إليهما. واقع يدفعنا إلى التفكير بجدية أكبر في نشر قيم التربية البيئية التي تكتسي أهمية كبرى ولربما كانت في أهميتها تفوق تلقين أساسيات القراءة والكتابة.

إن مجهودات المغرب في مجال البيئة لا يجب أن تكون مجرد محاولات يائسة للظهور أمام الخارج في ثوب التلميذ المجتهد، بل عليها أن تنم عن رغبة حقيقية للتصالح مع البيئة، تنسجم فيه الرؤية الرسمية والسيرورة المجتمعية، كهذا فقط يمكن أن تكون مجهوداتنا ذات معنى.

 

وفي انتظار المبادرات الرسمية لخلق نوع من التناسق بين الطريقة التي تقدم بها البيئة في المنتديات العالمية والممارسة المجتمعية اليومية لا حرج في أن نتحلى على نحو فردي ولو بقليل من روح المسؤولية تجاه محيطنا وبيئتنا بعيدا عن منطق الربح والخسارة.