2+2=5.. أو كيف تفرض السلطة مقولاتها؟

blogs - رواية 1984
إن سُئلت عن مجموع اثنان واثنان وأرادت منك سلطة ما أن تجيب خمسة أمام مقصلة التهديد، التعذيب، الاعتقال، القتل، النفي، انتزاع الحريات، سلب الكرامة، ابتزاز الحاجة، فماذا ستكون إجابتك؟ في رواية "يسمعون حسيسها" يتسائل العتوم: "من يعطي سلطة كافية لانتزاع أرواح البشر كأنها شعر تنتزع من جلد شاة؟ ومن أعطى الحق لهذا كي يعيث في جسد ذلك هوانا؟ أي حقد ذلك الذي لا تشبعه غرائزه أنهار من الدم كافية لأن تغرق ضمائر البشر كلهم؟"
في أعقاب ما عُرف بالربيع العربي، تم القبض على طالب مصري بتهمة حوزته على نسخة من رواية 1984، وبما أن كل ممنوع مرغوب، باتت الرواية منتشرة بين الشباب المصري على نسق غير مسبوق. من الجدير بالذكر أن رواية جورج أورويل تم منعها في أكثر من بلد منذ نشرها. فكيف لرواية خيالية أن تهدد نظام وسلطة ذات نفوذ؟

عام 1948 ويبدو أنه بالفعل عام النكبات، كتب البريطاني جورج أورويل رواية 1984. اختيار هذا العنوان هو ليس اعتطباتي، فربما أراد أورويل بقلب التواريخ أن يمرر للقارئ رسالة "التاريخ سيعيد نفسه". فاحذر أيها القارئ مما سيرد في هذه الرواية فلعلك تعيش أجواء هذه الحكاية الخيالية في يومنا هذا وأنت غافل أو أنك تتغافل.

في سيكولوجية الانصياع، أُجري اختبار ملغرام في علم النفس الاجتماعي الذي يهدف إلى دراسة قابلية الإنسان للانصياع والطاعة لأوامر سلطوية حتى ولو كانت تتعارض مع ضمائرهم و مبادئهم

تصنّف رواية 1984 من أدب الديستوبيا أو بمعنى آخر العالم الفاسد الذي ينتشر فيه الفوضى والخراب والحروب ويتجرد الإنسان فيه من إنسانيته. فعالم أوشيانيا حيث تدور أحداث الرواية خاوٍ من أي نوع من العواطف، ولكن أورويل سيهيّج عواطفك وحواسك الخمسة أثناء قرائتك.

تتمثل السلطة في الأخ الأكبر الذي تنتشر صوره في جميع أنحاء المقاطعة وهو زعيم الحزب الداخلي الذي يشكّل 2 % فقط من السكان. يسيطر الأخ الأكبر على جميع مناحي الحياة في حكم شمولي يتطرق للأمور الشخصية قبل العامة للشعب. الشمولية هي نسخة متطرفة من السلطوية حيث إن السلطة تتبع أيدولوجية معينة تحرص على زرع أفكارها في جميع أبناء الشعب. وهناك وسائل عدة تتبعها منها: الرقابة الحكومية، الدعاية المضللة، قائد ذو طابع كريزمي، الشعارات الرنانة، التلاعب بالتاريخ، رسم الواقع لصالح السلطة، غسل الأدمغة وتبخير كل من يحاول الخروج عن المطلوب.

يرِدْ في وسائل الإعلام وفي الخطاب السياسي اليوم مصطلح "أورويلي" نسبة للأجواء التي تحدّث عنها أورويل في روايته. وفي هذا المصطلح رمزيّة إلى السلطوية والفساد السياسي بالمعنى الظاهر، ولكن ما أراده أورويل من هذا النص الروائي السياسي هو أن يحذرنا من أعمال مخفية تقوم بها الحكومات وهي أخطر من كل الرقابة والكاميرات المرئية التي ترصد تحركاتنا. التلاعب باللغة في نظر أورويل هي الوسيلة التي تنجح بها الحكومة في تشكيل توجهاتنا. فعُملة السياسة هي اللغة. في العالم الخيالي المبالغ به الذي بُنيت عليه أحداث الرواية لهجة خاصة بقاموس يحدّد عدد الكلمات المستخدمة. فقاموس أوشيانيا يقتصر على كلمات بسيطة وإيجابية لا تشكل جمل معقدة تعبر عن فكر ناقد. فإن اختفت الكلمات التي تلزم للتعبير عن رأيك فسيبقى ذلك شعور فردي داخلي. بالإضافة إلى تحديد الكلمات، تحيط السلطة السكان بمصطلحات مزدوجة المعنى. فالشعارات التي يرددها السكان كل يوم هي: "الحرب هي السلام، الحرية هي العبودية والجهل هو القوة".
 

الإنسان وبدليل من تجارب نفسية كتجربة آش للامتثال والانصياع يميل إلى تغيير سلوكه وما يراه حقيقيا أمام عينه لكي يحظى بالقبول من قبل المجموعة
الإنسان وبدليل من تجارب نفسية كتجربة آش للامتثال والانصياع يميل إلى تغيير سلوكه وما يراه حقيقيا أمام عينه لكي يحظى بالقبول من قبل المجموعة
 

ووزارة السلام هو المكان الذي يُعتقل ويُعذَّب السجناء الإداريون فيه. ووزارة الحقيقة، حيث يعمل بطل الرواية وينستون، هي المكان الذي يعيد صياغة الواقع والماضي لصالح الحكومة. "من يتحكم في الماضي يستطيع التحكم في المستقبل، ومن يتحكم في الوقت الحالي يستطيع التحكم في الماضي".

بإمكان السلطة السيطرة على أفعالنا وأقوالنا من خلال ابتزاز نقاط ضعفنا ومخاوفنا وبإمكان السلطة أن تجعلنا ندوس على مبادئنا لنرتقي أو أحيانا لننجو، لكن هل بإمكان لغة السياسة أن تسيطر على عقلنا الباطن أيضا؟

في سيكولوجية الانصياع، أُجري اختبار ملغرام في علم النفس الاجتماعي الذي يهدف إلى دراسة قابلية الإنسان للانصياع والطاعة لأوامر سلطوية حتى ولو كانت تتعارض مع ضمائرهم و مبادئهم. التجربة أجريت على متطوعين من مختلف الأعمار والثقافات حيث لم يتم إخبارهم بهدف التجربة الحقيقي وطلب منهم أن يوجهوا صعقات كهربائية لمتعلم إذا أخطئ. والمتعلم بالتأكيد هو ممثل يتفق مع أصحاب التجربة. المقلق من نتائج التجربة أن ٦٥ % من المشاركين في التجربة وجهوا الصعقة القصوى للمتعلم على الرغم من اشتكائه أنه لديه مشكلة في القلب.

إننا لا نحطم الضّال الذي خرج علينا عندما يقاومنا، بل إننا لا نقدم أبداً على تدميره طالما أنه يقاومنا وإنما نسعى لأن نغيره ونقبض على عقله الباطن فنصوغه في قالب جديد

وكذلك تجارب عدة في علم النفس كتجربة ستاندفورد التي حُوِّلت إلى فيلم سنمائي وهدفت إلى دراسة نفسية السجين والسجّان. وقامت باختيار متطوعين لمحاكاة تجربة السجن، لكّن نتائج التجربة خرجت عن التوقعات وعن السيطرة وتم إيقافها قبل الموعد المحدّد بسبب ما قام به السجّانون من أعمال ساديّة ضد المعتقلين بمجرد إخبارهم أنهم متطوعون في تجربة علمية. فيبدو من ذلك أن الحكومة ذات النفوذ والسلطة بإمكانها إجبارنا على أي عملٍ كان حتى لو كان بالإجابة على اثنان زائد اثنان يساوي خمسة!

سبب آخر للانصياع هو رغبتنا في ألا نكون شاذين في مجتماعتنا، أو ما يعرف بالامتثال الاجتماعي. فالإنسان وبدليل من تجارب نفسية كتجربة آش للامتثال والانصياع يميل إلى تغيير سلوكه وما يراه حقيقيا أمام عينه لكي يحظى بالقبول من قبل المجموعة ولكي يبدو على حق في نظر الأغلبية.

الخطر الحقيقي برأيي في واقعنا هو ليس بالامتناع عن الثورة عن الظلم، فالثورة هي فلسفة ودراسة وتخطيط ووعي وإن لم تُدرس فعواقب ذلك أسوأ من الاستبداد نفسه. إنما الخطر الأكبر هو عندما نصل كشعوب لمرحلة إنكار المنطق وغريزتنا الإنسانية ونبرر أعمال استبدادية بحجة أنها السبب في توفير الأمن والأمان لبلادنا، وأنها الخيار الوحيد. هنا يكون الشعب قد أعطى السلطة الصلاحية والشرعية الكاملة ودخل مرحلة العبودية الطوعية. يقول محمد متولي الشعراوي: "إن لم تستطع قول الحق، فلا تصفق للباطل".

ينظر وينستون في آخر مشهد في الرواية لصورة الأخ الأكبر بحب! وفي حديث سابق له مع سجانه، يقول السجان: "نحن لا نقبل بالطاعة السلبية أو حتى بالخضوع، وعندما تسلم لنا قيادك في النهاية يجب أن يكون ذلك نابعاً من إرادتك الحرة. إننا لا نحطم الضّال الذي خرج علينا عندما يقاومنا، بل إننا لا نقدم أبداً على تدميره طالما أنه يقاومنا وإنما نسعى لأن نغيره ونقبض على عقله الباطن فنصوغه في قالب جديد. إننا نبدد كل ما يضمره من شرور ونخرج كل ما يحمله من أوهام فنردّه إلى صف الحزب ليس في مظهره فحسب، وإنما أيضاً في جوهره قلباً وقالباً".