لماذا نحتفل بثورات فاشلة؟

blogs الثورة اليمينة

مع حلول ذكرى 14 (أكتوبر/تشرين الأول) -ثورة اليمنيين في الجنوب ضد المستعمر البريطاني- يبرز سؤال إلى الواجهة: هل نجت هذه الثورة في تحقيق أهدافها بعد 54 عاما من قيامها؟ السؤال ذاته طُرح قبل أيام في ذكرى ثورة 26 (سبتمبر/أيلول) في شمال الوطن ضد الحكم الإمامي المتخلف.

 

سنبدأ قبل الإجابة عن السؤال من الثورة "السبتمبرية"، ولا بد حينها من أن نستعرض أهدافها الستة التي حددتها في يوم اندلاعها، فهدفها الأول كان التحرر من الاستبداد والاستعمار ومخلّفاتهما وإقامة حكم جمهوري عادل وإزالة الفوارق والامتيازات بين الطبقات.

 

أما الثاني فبناء جيش وطني قوي لحماية البلاد وحراسة الثورة ومكاسبها، ثم رفع مستوى الشعب اقتصاديا واجتماعيا وسياسيا وثقافيا، يليه إنشاء مجتمع ديمقراطي تعاوني عادل يستمد أنظمته من روح الإسلام الحنيف، وكذلك العمل على تحقيق الوحدة الوطنية في نطاق الوحدة العربية الشاملة، لتختتم تلك الأهداف بضرورة احترام مواثيق الأمم المتحدة والمنظمات الدولية والتمسك بمبدأ الحياد الإيجابي وعدم الانحياز والعمل على إقرار السلام العالمي وتدعيم مبدأ التعايش السلمي بين الأمم.

 

بات اليمن أفقر بلد عربي مع تفكك اجتماعي وسياسي غير مسبوق، لا ديمقراطية بل لا حكم أصلا، وإنما انقلاب حوثي في الشمال واحتلال إماراتي في الجنوب
بات اليمن أفقر بلد عربي مع تفكك اجتماعي وسياسي غير مسبوق، لا ديمقراطية بل لا حكم أصلا، وإنما انقلاب حوثي في الشمال واحتلال إماراتي في الجنوب
 

ولا يخفى على عاقل أن نقيض تلك الأهداف هو الذي تحقق بعد نصف قرن من قيام "الثورة المجيدة"، فالاستبداد قائم على أشدّه، والعدالة مقترنة بقوة السلاح والساعد، أما الفوارق والامتيازات بين الطبقات فتكرّست لتقسم المجتمع إلى "قنديل" من سلالة آل البيت "وزنبيل" في خدمة الفئة الأولى.

 

لم يتحقق الهدف الاقتصادي أيضا، فاليمن بات أفقر بلد عربي مع تفكك اجتماعي وسياسي غير مسبوق، لا ديمقراطية بل لا حكم أصلا، وإنما انقلاب حوثي في الشمال واحتلال إماراتي في الجنوب، والنتيجة وطن مقسم ومحاولات تخريب مستمرة تتم بأيادي بعض اليمنيين والغرباء.

 

نعم، نجح اليمنيون في ثورة (سبتمبر/أيلول) من التخلص من نظام متخلف، لكنهم زرعوا أنظمة أكثر تخلفا وبطشا. أدرك هذه الحقيقة الثوار الأوائل وعلى رأسهم أبو الأحرار الشهيد محمد محمود الزبيري، ففي عام الثورة الأول قال إن الثورة انحرفت عن مسارها وخرجت من اليد الإمامية إلى اليد العسكرية، صاح الشهيد من منطقة برط "لم نزح دكتاتورا لنأت بآخر، ولم نسقط الإمامية لنأت بنظام عسكري"، فكانت النتيجة أن تآمر عليه رفاق الثورة وقتلوه.

 

المواطن اليمني بدوره يبتعد عن كل ذلك التعقيد، ويتبادر إلى ذهنه بعض الأسئلة البسيطة في ذكرى هذه الثورة:

في أيام النظام الإمامي كنا بلا كهرباء، واليوم ماذا؟ كنا بلا ماء، واليوم ماذا؟ كنا بلا أمن، واليوم ماذا؟ كنا بلا صحة، واليوم ماذا؟ كنا بلا تعليم، واليوم ماذا؟ لكن الغريب أن هذه الذكرى تمر في كل عام ببعض الاحتفالات والألعاب النارية والعروض العسكرية، فلماذا يا تُرى نحتفل بثورة فاشلة؟

 

ثورة 14 (أكتوبر/تشرين الأول)

بعد إجلاء المستعمر من اليمن تولى قيادة الجنوب فريق متحمس مغامر تنقصه الخبرة بإدارة الدولة، لكنهم بدأوا بالكيد والإقصاء لرفاق النضال، ليتحول الوضع لموجات من العنف والتصفية وإبعاد المعارضين

نجحت الثورة في طرد المستعمر البريطاني، لكنها بعد ذلك اقترنت بالإخفاقات، حتى نجاح طرد المستعمر هناك من يقول إن الصيرورة السياسية كانت ستؤدي في النهاية إلى خروج بريطانيا تلقائيا من الجنوب اليمني مثلما خرجت من دول الخليج دون قتال.

 

وبعد إجلاء المستعمر تولى قيادة الجنوب فريق متحمس مغامر تنقصه الخبرة في إدارة الدولة، وكان جزءا من هذا الفريق ضباط لهم ارتباط بالمستعمر البريطاني، فبدأوا بالكيد والإقصاء لرفاق النضال، ليتحول الوضع إلى موجات من العنف والتصفية وإبعاد المعارضين، وكانت أولى تلك الموجات صراع عام 1969 بين عبد اللطيف الشعبي والتيار المعادي له في الجبهة القومية الحاكمة، وآخر تلك الموجات الدامية كانت أحداث 13 (يناير/كانون الثاني) 1986 التي ما زالت جراحها حتى اليوم.

 

فر الجنوبيون بعدها إلى الوحدة للخلاص من الصراعات والانقسام، ولكن مع الأسف كان هذا الخيار كابوسا بسبب النظام المتخلف في شمال الوطن بقيادة الرئيس المخلوع علي صالح. أما اليوم فقضى الاحتلال الإماراتي لعدن والجنوب على ما تبقى من أثر طيب لثورة 14 (أكتوبر/تشرين الأول).

 

خرج البريطانيون من عدن وهي لندن الصغرى، واليوم مدمرة تحكمها مليشيات متخلفة تُدار من أبوظبي، لتبقى المدينة بلا أمن ولا صحة ولا كهرباء ولا ماء ولا بنية تحتية.

 

جنازة الثورة والمولود الجديد
بعد مرور نصف قرن من تلك الثورتين، لا يزال اليمنيون عالقين في مربع اللحظة الأولى، بل تدهور الوضع إلى دمار شامل، فبدلا من حكم الأئمة الزيدية جاءت الإمامة الإثنا عشرية، وبدلا من الاستعمار البريطاني جاء "الاستحمار" الإماراتي، وهذا ردة إلى الأسوأ، فقد حَمَلَ الانقلاب "الحوثي العفاشي" والاحتلال الإماراتي نعش الثورتين وجنازتهما إلى مثواهما الأخير، ومن أَحسَنَ الظن بالثورتين من المناضلين يقول إنهما سُرقتا.

 

نصف قرن مضى على ثورتي 26 سبتمبر و14 أكتوبر، انتهى فيه جيل وبرز جيل جديد صنعته الأحداث والخبرات والتحولات المتراكمة التي ستحمل بلا شك نجاحا ثوريا قادما
نصف قرن مضى على ثورتي 26 سبتمبر و14 أكتوبر، انتهى فيه جيل وبرز جيل جديد صنعته الأحداث والخبرات والتحولات المتراكمة التي ستحمل بلا شك نجاحا ثوريا قادما
 

لكن، أليس هناك أمل؟ بلى، بكل تأكيد هناك أمل. هناك أمل في الأجيال الجديدة من الشباب الذين يملكون القدر الكافي من الخبرات في تصحيح المسار الثوري وخلق مناخ جديد يأخذ اليمن إلى بر الأمان، فالعملية الثورية عبارة عن تراكم أحداث وتتابع موجات من الثورات، فبداية انطلاق أي ثورة وتحديد نهايتها ليس بالأمر البسيط. الثورات تبدأ بفكرة تقوم على مبادئ وقيم وأهداف ثم يتبعها فعل لا يقاس بالبعد الزمني للأشخاص وإنما بالبعد الزمني للأمم.

 

نصف قرن مضى على ثورتي 26 (سبتمبر/أيلول) و14 (أكتوبر/تشرين الأول) انتهى فيه جيل وبرز جيل جديد صنعته الأحداث والخبرات والتحولات المتراكمة التي ستحمل بلا شك نجاحا ثوريا قادما.

 

كان الثوار الأوائل يبحثون في ثورتهم عن الدولة ومضامينها الدستورية والقانونية التي تنعكس عدالة وحرية وكرامة وأمنا واستقرارا على مواطنيها، وهو ما يقود الجيل الشاب إلى البحث مجدّدا عن مكامن الفشل والأخطاء التي قادت إلى هذا الوضع الشاذ وغير الطبيعي وعصفت بعقود من الزمن والتضحيات وأوقفت التطور الاجتماعي الذي كان ينبغي أن يعكس واقعا سياسيا أفضل مما هو عليه الآن.