الحرب والشجاعة.. حمار عزير

Blogs-wars
الآفة المُلازمة للبشريّة لُزوماً عُضالاً والمُتمتْرسة على ضِفاف تاريخها المُمتد، والمتجدّدة وكأنها شربت كأس الحياة والدّوام بينما تعطي الفناء والتّناهي واليَباب للوجود، الهائِجة كبحرٍ لجّي تتكاثف أمواجه ظُلمات بعضها فوق بعض، الرّائحة التي ما فتِئت تدور في مدار الأرض، تجوبُها من مشْرقها إلى مغْربها، لا شيء يُوقِفها ولا يقِف أمامها.
         
لماذا الحرب؟ لا يمكن تصور العالم بشكل بسيط باختزاله في بِضْعِ قوانين، وإنما يمكن رؤيته من خلال عدسات وبؤر مختلفة، ولذلك لابُدّ من وضع هذه الظّاهرة تحت مِبضع التّشريح، والبحث فيما يكمنُ وراء الأسباب الظّاهرة لها، بمعنى مُجاراتها بشيء من الإعْمال الفكري، وبُعداً كل البعد عن الانفعالات الذاتية للبشريّة تُجاهها، وبالتالي نصل إلى حل فكري، ينفُذ إلى جوهر هذه السنّة الكونيّة.

ولذا يمكن النّظر إلى الحرب أنها ليست حدثاً عارضِاً في نفسها، أو أن الأسباب الكامنة خلفها ليست مُجرد أسباب عابرة وذلك في إطار ومنظور فلسفي يرى وراء الحدث الذي يبدو عرضِيّاً ضرورة تدفع نحو حتميّة وقوع الحدث،  ومن هذا المنْطِق يمكن اعتبار الحرب، عامل حفز يسير في اتّجاه دفع المجتمعات البشريّة السّاكنة من حالة الرّكون والرّكود إلى حالة الحركة والنّشاط متسلّحة بأمل التّغْيير والبحث عن أسباب القوّة والتّقدم، وبالتّالي لا يمكن النّظر إليها أنّها شراً على نحو مطلق، فلا يمكن رؤية اللحظة الراهنة إلا أنها نقطة لالتقاء الماضي والمستقبل وليست هي البداية والنهاية.
      
فنتيجة الحرب تؤدي إلى تحول مجتمعي عميق على نحو بعيد المدى، وبالتالي تحول فكري وعقائدي عميق عند الأفراد يدفع حركة تحول عامة، ولا يحدث ذلك إلا إذا انتقل هذا التناقض الذي نتجت عنه الحرب إلى وعي  ووجدان الناس، فقد يبقى التناقض آلاف السنين دون تغيير مالم ينتقل إلى الوعي والإدراك وبالتالي البحث عن سبل وحلول لمليء هذه الهوّة، فالنشاطات الاجتماعية التي تنتجها الحرب -بمعناها المجرد- تصوغ إنساناً واعياً تماماً كما يفتعله الظلم والاستبداد من حركة فكريّة وثقافيّة كبيرة، بحيث تصوغ خلفيّة عقليّة لدى الإنسان تنبذ الرجعيّة والتنازع وترغب في السلم كحل لكل المشاكل سواء أكانت على المستوى الداخلي أو الخارجي، فتكون الحرب كحمار عزير حمله رغم التّيه إلى ضوء اليقين.
            
أصبح المقاتل وإن كان جباناً أخرقاً يُنهي خصمه بطلْقة ناريّة أو قذيفة صاروخيّة من مسافة بعيدة دون الحاجة إلى مواجهة مباشرة
أصبح المقاتل وإن كان جباناً أخرقاً يُنهي خصمه بطلْقة ناريّة أو قذيفة صاروخيّة من مسافة بعيدة دون الحاجة إلى مواجهة مباشرة
 

ومن وجه آخر، تبدو حاجيّات وممتلكات الإنسان في هذه الدنيا في حالة السّلم كالحياة والمسكن والمال والْبَنُون أشياء لا يمكن التفْريط فيها، بل وتبدو المواعِظ والخُطب الرنّانة التي تُذكر بفناء و زوال هذه الأشياء بدون قيمة أو معنى، ويزْداد غُلُو الإنسان في توغّله المادي الملازم لطبعه، ثم ما تلبث أن تتصدّع هذه القشرة الرّقيقة التي تُغطّي هذه الأشياء في رحى الحرب الدائرة فمثلاً يبدو الاستقلال الشخصي أمراً في غاية الأهميّة لدى الفرد في حياته، ثم ما تلبث أن تذوب هذه الخاصية وتتجلّى صفة زوالها فتبدو الحرب وكأنها محافظة على الكل، وتُصْبح التّضحية بالفرديّة جوهر واجب الأفراد تجاه مجتمعهم -على اختلاف نوعيّة المجتمع أو الجماعة وتوجهاتها- ويصبح للخطب والمواعِظ قيمة، حتى الاختلاف الإيديولوجي والطبقي يذوب كالملح في إناء ينضح بالموت.
            
الحرب الحديثة وتطور مفهوم الشّجاعة، بعد أن كانت الشّجاعة خَلّة شخصيّة لدى المقاتل أو الفارس تأخذ بعداً رومنسياً وسيكولوجياً في دوافعها كالجرأة والجسارة والإقدام، وبعد أن كانت النِّديّة والغَلبة بين المقاتلين تعتمد على القوة البدنيّة في غالبها، ومع تطور المجتمعات المتمدّنة وسطوع نجم البارود وما تلاها من تطور هائل في مجال التصْنيع العسكري أصبح المقاتل وإن كان جباناً أخرقاً يُنهي خصمه بطلْقة ناريّة أو قذيفة صاروخيّة من مسافة بعيدة دون الحاجة إلى مواجهة مباشرة أو حتى أحياناً دون الحاجة إلى رؤيته.

       
أصبح مفهوم الشّجاعة مجرّداً وفضفاضاً ينُم عن مفاهيم أخرى، وبالتي فإن الشّجاعة في الحرب الحديثة تشمل الدُّربة العقليّة المتدبّرة المتروّية في التوجيه والتخطيط والتنفيذ الحربي، وأصبحت البسالة والحماس الفردي مضوياً يخدِم هدف وفكرة جمعيّة، ولذلك أضفى المبدأ الذي يرتكز عليه العالم الحديث على الشّجاعة صورة عليا عندما كشف أكثر عن آلياتها بحيث لم تعد عملاً لهذا الشخص أو ذلك وإنما هي فعل يؤم به عضو في كل وبالتالي تبدو الشجاعة الشخصية وكأنها غير شخصية.