من "أهل مصر" إلى المصريين.. كيف خسرنا ثراء التنوع؟

(1) أهل مصر
عدّد القاضي صاعد الأندلسي (ت462 هـ) الأمم التي كانت في عصره في عمله "التعريف بطبقات الأمم" فقال إنّ الأمم التي اعتنت بالعلم ثمانية: الهند، والفرس والكلدانيون واليونانيون والروم والعرب والعبرانيون، وحين وصل لمصر قال "أهل مصر" ولم يقل "المصريون." ولصاعد في ذلك وجهة نظر، فيقول إنّ أهل مصر ليسوا أمّة واحدة بل أخلاطًا من أمم عدّة حتّى غدا من العسير فصل أنسابهم؛ ولذا فالأوفق هو نسبتهم مباشرة إلى مكان سكناهم، فأسماهم أهل مصر. وهذا أمر انفردت به مصر بين الأمم القديمة.

يقسم صاعد الأندلسي تاريخ مصر إلى مرحلتين، مرحلة ما قبل الطوفان ومرحلة ما بعد الطوفان. أمّا ما قبل الطوفان، فهم الفراعنة، الذين بادوا ولم تُعرف أخبارهم يقول صاعد: "أمّا الأمّة السادسة وهي أهل مصر، فكانوا أهل ملك عظيم، وعزٍّ قديم في الدهور الخالية، والأزمان السالفة. يدلّ على ذلك آثارهم في عمائرهم وهياكلهم وبيوت علمهم الموجود أكثرها في الإقليم إلى يومنا هذا. وهي آثار أجمع أهل الأرض أنه لا مثل لها في إقليم من الأقاليم، فأمّا ما كان قبل الطوفان فجُهِل خبره، وبقي أثره، مثل الأهرام والبرابي، والمغاور المنحوتة في جبال الإقليم، إلى غير ذلك من الآثار الموجودة".

تحكي آثار حي الظاهر، حيث أسكن، عالم التنوع المفقود. ففيه الكنائس والأديرة من مختلف المذاهب والطوائف، وفيه الكُنس اليهودية المهجورة، وفيه المساجد والجوامع

ويقول صاعد أنّ "أهل مصر" لم يؤولوا إلى أمّة واحدة بعد الطوفان، وإنّما سكن مصر عدّة من الأمم المختلفة. يقول صاعد "وأما بعد الطوفان فقد صار أهل الإقليم أخلاطًا من الأمم، ما بين قبطي ويوناني ورومي وعمليقي وغيرهم إلا أنّ جمهرتهم قبط". ويعلّل صاعد هذا الاختلاط والاختلاف بين الأمم في مصر بسبب تناوب عدّة أمم على حكم مصر. يوضح صاعد: " وإنّما صاروا أخلاطًا كثيرة من تداول ملك مصر من الأمم السالفة من العمالقة واليونانيين والروم فاختلطت الأمم فيها. لذلك تعيّى على النّاس تخليص أنسابهم فاقتصروا على نسبتهم إلى موضعهم من بلد مصر".
 
تميزّت مصر إذن بالتنوع منذ قبل الميلاد، حتّى لم يعد من الممكن تسمية أهلها باسم جامع وهو "المصريون" مثل بقية الأمم التي عرّف بها صاعد مثل العرب والعبرانيون واليونانيون والكلدانيون. تميزّ أهل مصر بالاختلاف والتنوع إذن، وعاش القبط واليونانيون والرومانيون، والعرب متجاورين في إقليم واحد، وتحت حكم واحد.

(2) الحيّ العتيق: مجمع الأمم والأديان
ظلّت مصر فريدة في تنوعها وجاذبة لمزيدٍ من أخلاط الأمم؛ إذ ظلّت على هذا المنوال في ظلّ حكم الإسلام، ولم تفقد تنوعها بل استمرّ إلى ما قبل الجمهورية المصرية التي تأسسّت على فكرة "القومية الإثنية" على إثر انقلاب يوليو عام 1952.

أتخيل عشرات العائلات المختلفة التي كانت تسكن الحي في بداية القرن العشرين، العائلات المسلمة والعائلات اليهودية، والعائلات المسيحية الرومية والقبطية والسريانية
 
تحكي آثار حي الظاهر، حيث أسكن، "عالم التنوع" المفقود. ففيه الكنائس والأديرة من مختلف المذاهب والطوائف، وفيه الكُنس اليهودية المهجورة، وفيه المساجد والجوامع وفيه مدارس الرهبنة المختلفة. 
تخيلتُ للحظة أنّي أقلب آلة الزمن إلى الخلف مائة عام لأرى كيف كانت هذه الآثار عالَمًا حقيقيًا لا تاريخًا صامتًا كما أشاهدها الآن. كيف تجاور كل هؤلاء المختلفون في حيٍّ واحد يتشاركون فيه الحياة اليومية.
 
أطلّ من شرفة شقتّي على معبد "عص حاييم" أو "باروخ حنان" وأرى على واجهته كتابات باللغة العبرية وتاريخ بنائه عام 1900 وأرى مبنى المدرسة الدينية داخله. وفي نهاية الشارع، تقع كنيسة السريان الأرثوذكس المكتوب على واجهتها بالسريانية تاريخ إنشائها عام 1935 وقريبًا جدًا من بيتي ذلك، يتفرع شارع ابن خلدون الذي يقع به معبد كُرايم "باحاد اسحاق" الذي أنشئ عام 1925، وفي شارع قريب كذلك يدعى شارع كوة، يقع معبد نسيم اشكنازي الذي شيد عام 1913، وفي شارع أحمد سعيد القريب جدًا كذلك يقع معبد موسى الدرعي الكبير الذي بني عام 1925 الذي يخص طائفة اليهود القرّائين.

وحين أقضي رحلتي شبه اليومية إلى مكتبة دير الدومينيكان الذي يخص المسيحيين الكاثوليك، أمر في طريقي على مدرسة الطائفة الإسرائيلية بالقاهرة التي تحولت إلى مدرسة صناعية بعد هجرة اليهود، وأمرّ على دير سان فنسان، بعد مروري على مدافن طائفة الروم الأرثوذكس وقصر وجامع الأمير بيبرس، وبيوت قديمة في ميدان الجيش لا تزال تحتفظ بنجمة داوود. وعلى بعد عشر دقائق من بيتي، توجد مدارس الرهبنة المختلفة: مدارس رهبنة الفرير ورهبنة القلب المقدس، ورهبنة الأقباط، ورهبنات أخرى.

أتخيل عشرات العائلات المختلفة التي كانت تسكن الحي في بداية القرن العشرين و الذي أحب أن أسميه "الحي العتيق": العائلات المسلمة والعائلات اليهودية من القرائين والربانيين، والعائلات المسيحية الرومية والقبطية والسريانية. أتصور الحاخامات والقسس والمشايخ يدخلون ويخرجون من كُنُسهم وكنائسهم ومساجدهم، وأتصور التعاملات وعلاقات الجيرة والصداقة التي كان من المكن أن تنمو في ظل عالم متنوع طبيعي كذاك الذي كان يحتضنه حيّ الظاهر.

مدرسة الطائفة الإسرائيلية بميدان الجيش

 

(3) المصريون
اختفى عالَم "الحيّ العتيق" وصار إلى الآثار بعد أن كان واقعًا معاشًا قبل عدّة عشرات من السنين. أتصور عام 1940 مثلاً حين كان الحيّ عامرًا بأهله: أهل مصر. ماذا حدث يا ترى خلال عقدين من الزمان مرّا على ذلك التاريخ؟ موجة القومية الإثنية الحديثة تجتاح العالم الذي أخذ في التحول إل دول قومية ضيقة ذات حدود صارمة. لم يعد "أهل مصر" قانعين بكونهم "أهل مصر" بل أرادوا أن يكونوا: "المصريون" قومية واحدة حديثة متجانسة، تنسب نفسها لبعض حوادث التاريخ المنتقاة.

خرج من مصر كثيرٌ من أهلها، وخرج كثيرٌ من الذين لجؤوا إلى أهلها لثقتهم بأمنهم وسلامتهم فيها. خرج اليهود العبرانيون، وخرج اليونانيون والطليان، ولم يعد هناك كثير من السريان أو الروم أو الأرمن. خرج من كانوا من أهل مصر ، على إثر تأسيس جمهورية حديثة ربما لم تأخذ من روح الحداثة سوى الإقصاء، والتصنيف ونبذ الاختلاف وكان شعار موجة القومية الإثنية العالي: "مصر للمصريين" ولكنّ المصريين لم يكونوا موجودين يومًا لتعود إليهم مصر! كانت مصر لـ "أهل مصر" الذين كانوا مختلفين في الديانات واللغات والأشكال، وكانت أرض مصر تسعهم جميعًا. ذهب زمان "أهل مصر" الواسع وحلّ محلّه ضيق الزمان والمكان حين قرّر أهل مصر أن يتحولوا إلى: "المصريون."

_______________________________
 * المراجع
– التعريف بطبقات الأمم
– المعابد اليهودية ودورها في حياة اليهود بمصر
– خلاصة تاريخ المسيحية في مصر
– القومية المصرية



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

الأكثر قراءة