مصالحة للإصلاح

بعد سنوات من القطيعة، التقت فتح وحماس في غزة، وتسلمت حكومة الوفاق كافة مسؤولياتها في القطاع، فعمت الفرحة الشعب الفلسطيني في الداخل والخارج، وكل مؤيد للقضية الفلسطينية، وآخرون أصيبوا بالدهشة، من التنازلات التي قدمتها حركة حماس، وسواء من فرح أو اندهش، فالكل أثنى على صنيع الحركة، الذي يدل على شعور عظيم بالمسؤولية، تجاه شعبها وقضيتها.

ذلك الموقف الراقي لحركة حماس، يدل على شجاعة وحكمة، حكمة أتاحت لها قراءة الواقع، والحراك المستمر في المنطقة العربية، وهو ما يتطلب وجود حركة وطنية قوية، ليس عسكريا فحسب، وإنما شعبيا أيضا، وهو ما بدأت الحركة تجني ثماره في الشارع الفلسطيني والعربي.

أما شجاعتها، فهي على قناعة أن لكل فريق برنامجه الخاص، ولا يستطيع أحدهما أن يلغي الآخر، أو أن يخرجه من المشهد السياسي، لكن يمكن لأحدهما أن يقرب الآخر من برنامجه، وأحسب أن البرنامج الأقدر على جمع الشعب الفلسطيني، هو برنامج المقاومة والتحرير، سيما أن الاحتلال الإسرائيلي، أثبت على مدار سنوات التفاوض أنه لن يقدم للفلسطينين حقوقا ولا دولة.

أما حركة حماس، التي تعود إلى مربعها الأول، فستجتهد لتركيز اهتمامها على محورين مهمين، هما:
الأول: استعادة الحاضنة الشعبية، فالحركة لا تخفي أنها فقدت بعضا من رصيدها في قطاع غزة، وذلك بسبب بعض الممارسات غير الموفقة لحكومتها، وربما كان ابتعاد كثيرين عنها حنقا على الظروف المعيشية الخانقة، التي كانت خارج إرادتها، لكنها اليوم تعود من جديد، إلى حديث الشارع الفلسطيني واحترامه.

الثاني: التفكير في تطوير قدرات المقاومة في الضفة الغربية، التي أثببت بسلسلة من العمليات الجريئة في انتفاضة القدس، أنها لم تمت رغم التضييق والقمع، وهو ما يشجع حركة حماس، على المضي قدما في مشروعها التحرري.

من كان متخوفا على مصير المقاومة ومشروعها، فأقول إن الوحي قد انقطع بعد النبوة، لكن المعية الإلهية ما زالت قائمة، إذا حقق الفرد أو الجماعة ركنين عظيمين، هما: التقوى والإحسان

وفي هذا السياق، فإن انتخاب صالح العاروري نائبا لرئيس المكتب السياسي إسماعيل هنيه، يؤكد هذا المعنى، بل إن فيه ردا عمليا على شروط نتنياهو للمصالحة، وهو ما يدركه الاحتلال جيدا، فليس من أبجديات الحركة الاعتراف بالعدو، أو وضع السلاح قبل اكمال التحرير، وهو ما أعلنته مرارا، وجاء مؤخرا على لسان رئيس مكتبها السياسي، مبينا أن السلاح سلاحان: سلاح الحكومة، وسلاح المقاومة، وكلاهما شرعي، وهذه خصوصية للقضية الفلسطينية، سيما أن سلاح المقاومة ظل على شرفه وطهارته.

إن المصالحة من أجل الإصلاح مطلب شعبي ووطني، فالإصلاح المعيشي يتمثل في تنظيم شؤون الناس، من خلال رفع الحصار، وحل مشكلة الكهرباء، ودمج الموظفين، وإيجاد فرص عمل للعمال والخريجين، واستكمال جهود إعادة الإعمار، وغيرها، أما الإصلاح الوطني، فإننا بحاجة لوضع برامج موحدة، نواجه بها الارهاب الإسرائيلي، وتحفظ لنا حقوقنا، فالقدس والأسرى واللاجئين، ينتظرون شعبهم وفصائله المقاومة؛ للدفاع عن حقوقهم، والتصدي لمخططات التهويد والتصفية.

مصالحة للإصلاح، هكذا يجب أن تكون، وأن تكون أيضا في غزة والضفة على حد سواء، ينعم فيها الناس بالأمن والحرية وسيادة القانون. أما من كان متخوفا على مصير المقاومة ومشروعها، فأقول إن الوحي قد انقطع بعد النبوة، لكن المعية الإلهية للعبد والجماعة المؤمنة، ما زالت قائمة، إذا حقق الفرد أو الجماعة ركنين عظيمين، هما: التقوى والإحسان، قال تعالى: "إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ وَّٱلَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ" (النحل:128)، ومن حاز هذا الشرف العظيم، فلا ينبغي له أن يضل أو يشقى، فالمعية تتنافى مع الخذلان، وعليه فنسأل الله سبحانه وتعالى أن تكون المصالحة خيرا للشعب والقضية الفلسطينية.



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

الأكثر قراءة