عن المعلم الجيد

هناك فرق كبير بين تعلم الشيء وبين تعليمه، ولهذا فكون الفرد مُتعلِّم جيد لا يعني بالضرورة كونه مُعلِّم جيد. صحيح أن هُناك من يمتلكون موهبة فيما يتعلق بالتبسيط والشرح، ولكنها ليست القاعدة. نقل المعرفة من عقل إلى عقل آخر ليس أمرًا فطريًا؛ هي مهارة تحتاج لبذل كثير من الجُهد لاكتسابها وتطويرها. أحد الأسباب الرئيسية وراء صعوبة تطوير تلك المهارة هو أن نظرة الفرد لموضوع ما بعد إتقانه له تختلف تمامًا عن نظرته له أثناء تعلمه.
عندما يشرع الفرد في تعلم موضوع ما للمرة الأولى، فمن الطبيعي ألا يجد في رأسه أكثر من حفنة من الأفكار المُبعثرة عنه. عدم وضوح الصُورة في البداية -وإن كان طبيعيًا- يُسبب كثير من الارتباك. بمرور بعض الوقت تبدأ معالم الطريق في الاتضاح شيئًا فشيئًا، ولكن هذا لا يعني أن مُنحنى التعلم قد استقام بعد.

على الرغم من أنه أصبح قادرًا على تحديد ما عليه فعله، إلا أن الفرد يبدأ في مواجهة صعوبة حقيقية في استيعاب المفاهيم التي يتعرض لها للمرة الأولى، ويجد أنه بحاجة لبذل الكثير من الجُهد لإجبار عقله على العمل خارج منطقة الراحة. هو أيضًا يجد أنه بحاجة للمرور على نفس الشيء أكثر من مرة للتأكد من فهمه، وهو ليس بالأمر المُمتع.

المعلم ليس آلة لتخزين ونقل المعلومات، وإنما مُرشد تتلخص وظيفته في مُساعدة الطالب على اجتياز مراحل لُعبة التعلم بنفسه


يمُر المزيد من الوقت، ويبدأ المُنحنى في الاستقامة قليلًا. بين الحين والآخر يحصل الفرد على جُرعات من "نشوة الفهم"، وهو ما يُشجعه على الاستمرار. في الخلفية، تتخذ الأفكار والمفاهيم مواضعها على لوحة غير مرئية. ثُم عند لحظة مُعينة يُرفع الستار فجأة، فإذا به يرى الصُورة مُكتملة.

لا شيء يعدل نشوة الفرد في تلك اللحظة، لا شيء يعدل رؤية الأجزاء التي بذل جهده في جمعها قد انتظمت في سياق واحد بهذا البهاء. لا شيء يعدل رؤية الصُورة الكبيرة. عند هذه النُقطة قد يرغب الفرد في الكتابة أو التحدث عن الموضوع الذي تعلمه، وذلك لأن جودة ما يُمكنه إنتاجه في ذلك الوقت قد يستحيل عليه الوصول إليها مرة أُخرى.

بعد فترة، وبعد أن تعود النشوة إلى مستواها الطبيعي، يبدأ الفرد في الانتباه لحدوث أمر ما: لقد تحول ذلك الموضوع إلى "فطرة" بالنسبة إليه. هو حرفيًا أصبح ينظر إليه على أنه "معرفة شائعة"، بل ويبدأ في التعجب من نفسه كيف وجد صعوبة في تعلمه. في الحقيقة، هو لم يعُد يتذكر أصلًا أنه واجه أي صعوبة.

هذه النظرة هي تحديدًا السبب وراء صعوبة التدريس. أن يتعامل الفرد مع موضوع يتقنه تمام الإتقان وكأنه يراه للمرة الأولى ليس أمرًا سهلًا، ولكنه في نفس الوقت شرط المُعلم الجيد. المعلم ليس آلة لتخزين ونقل المعلومات، وإنما مُرشد تتلخص وظيفته في مُساعدة الطالب على اجتياز مراحل لُعبة التعلم -كما فصلنها بالأعلى- بنفسه.



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

تؤكد دراسة أميركية أن تأثير التلفزيون على استعداد الأطفال الفقراء للمدرسة قد يكون أسوأ مقارنة بأقرانهم الموسرين، وتوصي هيئة أميركية بألا تتعدى مشاهدة الأطفال للتلفزيون قبل سن المدرسة الساعة يوميا.

الأكثر قراءة