كيف يمكن أن نتجاوز اكتئاب الخريف؟

Blogs- deprission

قبل أن تتعمّق في طيّات هذه المدونة وتبحر في كلماتها أخبرك أنه راودني شعور وأنا أكتبها من أنا، طيبة؟ مرشدة نفسية؟ أم عالمة بيولوجية؟ أم كاتبة أم انسانة عادية تركت لكلماتها حرية الانطلاق فكانت هذه المدونة. ذات يوم وأنا اتصفح الفيس بوك، لفت انتباهي منشور يتحدث عما يسمى باكتئاب الخريف، بدأت أقرأ حتى جذبتني الكلمات لنهاية المنشور والذي بدوره كسى كل وجداني بمشاعر خريفية قد تكون هي ملامح هذا الاكتئاب.


أدلفت في صفحات الإنترنت أبحث عن شيء علمي وصحيح، وهل هذه ظاهرة حقيقية حقًا أم أنها من توقعات المنجمين عندما يقولون بأن البرج الفلاني يعاني من كآبة في شهر معين! وجدتُ الأمر حقيقة!فهناك ما يسمى فعلا باكتئاب الخريف أو الاكتئاب الموسمي الذي يكون مزامنًا مع التغيرات التي تحدث بين الفصول، سيما فصل الخريف عندما تبدأ الطبيعة بالتخلي عن مكوناتها فتتساقط أوراق الأشجار وتبهت فيها الألوان، ولا يبقى فيها مكان إلا لقطرات المطر كي تحييها من جديد.

    

وما علاقتُنا نحن بالشجر والحجر، لنا علاقة كبيرة بل ووطيدة مع هذا الكون الفسيح، علاقة كيمائية تربطنا بمكوناته المادية جميعها، وعلاقة نفسية روحية تربطنا برسائل وقوانين الكون التي نسير في فلكها كما الأجرام. ولأننا جزء من هذه المنظومة الكونية، ومن هذه الأرض فما يقع عليها يقع علينا، وما تتأثر به يؤثّر بنا، فتسقط أوراقنا كما أوراق الشجر تمامًا، وتبعثر دواخلنا ريح خفيفة هبّت بعد صيفٍ حار، وتَرجع حساباتنا لتُعيد جِمع ذاتِها وطرحها مع أول قطرات للمطر، وتعيد رائحة التراب الممزوج بالمطر لنا ذكريات كنا نظن أنا دفنّاها جيدًا ولكنها تطفو ببساطة على السطح محدثة لنا عرضًا من أعراض الكآبة. وهذا ما يؤكده قول علي بن أبي طالب رحمه الله "إياكم وهواء الخريف فإنه يفعل بأجسادكم كما يفعل بأوراق الشجر".

         

تراكمات الأيام التي لم نجد لها وقتًا لإزاحتها، والمشاكل التي تغاضينا عن حلها، والعلاقات المضطربة، كل هذه الأشياء قد تخرج فجأة ودفعة واحدة تقلب كل شئتراكمات الأيام التي لم نجد لها وقتًا لإزاحتها، والمشاكل التي تغاضينا عن حلها، والعلاقات المضطربة، كل هذه الأشياء قد تخرج فجأة ودفعة واحدة تقلب كل شئ
 

وكأي مرض نحاول أن نتجنبه ولكن إذا وقعنا في شركه فإن علينا أن نقاومه ونحصّن أنفسنا كي لا يعود لنا ثانية، فاكتئاب الخريف يجب أن نهتم بأمره من الناحيتين الفسيولوجية والنفسية، فسيولوجيا أن نهيئ كل الظروف المادية حلونا كالألوان واضاءات الأماكن، أن نجعل كل ما يحيطنا يدعو للتفاؤل بقدر المستطاع، وهناك من يوصي ببعض المأكولات الصحية التي لها علاقة بزيادة إفراز هرمون السعادة. أما علاج اكتئاب الخريف نفسيًا لا يكون علاجًا بقدر ما يكون استدراك للأشياء قبل حدوثها، ومحاولة عدم تكرارها إذا حدثت سابقًا.

      

تراكمات الأيام التي لم نجد لها وقتًا لإزاحتها، والمشاكل التي تغاضينا عن حلها، والعلاقات التي تفتر حينًا وحينًا تشتّد وليس لنا طاقة على ضبط وتيرتها، مناكفات المنزل والشارع والعمل ومشاحنات الجدالات والحوارات التي قد لا تفضي بنتيجة مرضية لأي طرف، انحدار تقدمنا في تحقيق أهدافنا سواء الأهداف الشخصية أو العامة والشعور بعدم الإنجاز، حين تضعك الحياة في ظروف لستَ أَهْلا لها، أو مكان لست براغبٍ فيه، ورغم ذلك تستمر في اجتياز عدّاد الأيام، كل هذه الأشياء قد تخرج فجأة ودفعة واحدة في حالة مرضية تقلب كل الأشياء التي كنا نظن أنّا سوّيناها جيدًا وكل ما فعلناهُ هو فقط أنّا غطّيناها وحتى أننا لم نحسن الغطاء فثارت علينا، هكذا نغرق في كآبة الخريف، ولا يكون الوقت كافيًا لنعيد حساباتٍ قديمة كي تستقيم قلوبنا على مرفأ الشتاء.

             

هدهِد نفسك ومن حولك، ربّت على كتفك الحاني تارة، والمتشنّج تارة أخرى وأرحه كما قلبك أيضًا، أبدأ بنفسك وحاول فيمن حولك فمهما كانت التأثيرات الفسيولوجية قوية لكنّها حتمًا لا تتحرك دون بوصلة النفسية التي تتقبّل أعراض الكآبة أو تقاومها وتبعد هذه الآفة عنها. وفي انتظار الشتاء لا تبقوا من شوائب أنفسكم الكثير، حاولوا التخلص منها كي تستمتعوا به وكي لا تنسلب منكم الأيام دون شعوركم بذلك. اكتئاب الخريف حقيقة لكن نحن من نضخمه ونعطيه أكبر من حجمه بسوء تصرفنا، أو نقزّمه ولا نترك له مساحة كافية في أن يستوطننا، الخيار بأيدنا والحل كذلك.