فتنة تبديل الأسماء

blogs - Quran

إن أول شيء علمه الله -تبارك وتعالى- لآدم الأسماء، وما ذلك إلا لأهمية الاسم وعظيم أثره في بيان الأمور وتمييز ‏حقائقها، وضبط أوصافها، لأن تغيير أسماء الأشياء من أبواب الفتن العظيمة، ولا أدل على ذلك مما فعله المشركون ‏عندما غيروا وحرفوا أسماء الله، وسموا بها أصنامهم وأوثانهم، تلبيسًا منهم على أنفسهم وعلى الناس، لأن تسمية هذه ‏الأشياء بحقيقتها تفضح عقولهم وتحرجهم أمام أنفسهم والناس، لأنها تذكرهم بعجزها وأنها حجارة أو خشب لا تضر ولا ‏تنفع، لذلك سموا بعض هذه الحجارة اللات اشتقاقًا من لفظ الجلالة الله، وسموا بعضها العُزى اشتقاقًا من اسم الله ‏العزيز، وروجوا لها على أنها آلهة، فظن الناس أنها آلهة وأنها شريكة لله في تدبير ملكه، وافتتنوا بها حتى وصل ‏الأمر إلى عبادتها من دون الله.

 

انظر إلى فتنة تسمية الأشياء بغير أسمائها وخطرها على الناس وتأثيرها فيهم، فأي ‏شيئًا تريد تمريره للناس وكان مرفوضًا دينًا أو عرفيًا أو أخلاقيًا فقط سمه بغير اسمه يَمُرُ آمنًا مطمئنًا، لا يُروعه إلا ‏العَالمُون، لأنهم يعرفون حقيقته، وقد حذرت الشريعة من هذه الفتنة سواء أكان التغيير على مستوى أشياء أو ‏الأشخاص، ليهلك من هلك عن بينة وليحيا من حيّ عن بينة.

 

أما ما كان على مستوى الأشياء فقد أخبر صلى الله عليه وسلم أن الناس ‏سيغيرون أو سيسمون الأشياء بغير أسمائها، وتنبأ بتغيير اسم الخمر فقال: "لَيَشْرَبَنَّ نَاسٌ مِنْ أُمَّتِي الْخَمْرَ،  يُسَمُّونَهَا بِغَيْرِ اسْمِهَا…" فسميت الخمرُ ‏مشروباً روحيًا، ولم يقف الأمر عند الخمر ولن يقف بل سيتعداها إلى غيرها، فسمى ‏الناس الربا فوائد، وعلى كلٍ فإن تَغيير الأسماء لا يُغير الحكم، لأنه منوط بالمعنى لا باللفظ، فالعبرة بالمسمى لا ‏بالاسم، فمهما تبدل الاسم ‏وتغيرت حروفه فالربا يبقى ربًا ولو اصطلح الناس على تسميته فائدة، وتبقى الخمر خمرًا ولو ‏اصطلح الناس على ‏تسميتها مشروبًا روحيًا، فتغير الأسماء لا يُغير حقيقة الشيء وحكمه، ولا شك أن التغيير ما زال ‏مستمرًا في جميع الجوانب بكل مستوياتها وعلى مر العصور بما يتناسب مع أصحاب المصالح والمنافع والأهواء. ‏

 

لا تخدعنك كثرة الأيمان وحلو الكلام، فالمسلم كيس فطن، ‏ينبغي عليه أن يسير مستنيرًا بنور الوحي مستبصرًا دروبه، حذرًا من دروب الغواية، ومتمسكًا بسبل الهداية
لا تخدعنك كثرة الأيمان وحلو الكلام، فالمسلم كيس فطن، ‏ينبغي عليه أن يسير مستنيرًا بنور الوحي مستبصرًا دروبه، حذرًا من دروب الغواية، ومتمسكًا بسبل الهداية

 
وأما ما كان على مستوى الأشخاص فقد أشار القرآن إلى هذه الفتنة عندما أخبر الله تبارك وتعالى آدم أن إبليس عدو ‏لك ولذريتك فلا تتخذه وليًا ولا تسمع له قولًا، فجاء إبليس إلى آدم وعرّف نفسه على أنه ناصحٌ أمينٌ وأقسم أنه من ‏الصادقين، فصدّق آدمُ قول إبليس المشفوع باليمين، وكانت النتيجة التي يعرفها الجميع وهي شقاء آدم وذريته في ‏الأرض إلى يوم الدين.

 

وما قص الله هذه القصة إلا لأجل العبرة والعظة، والحذر من آباليس الإنس قبل آباليس ‏الجان، وما زال شياطين الإنس يلبسون ثياب القداسة والطهارة ويقدمون أنفسهم على أنهم نصحاء أمناء، ويُقسمون ‏الأيمان على أنهم يريدون إحسانًا وتوفيقًا، وقد حذر النبي صلى الله عليه وسلم من هؤلاء المُضلون، وأخبر عنهم في أحاديث متفرقة، ‏لأنهم يتنوعون بتنوع مواقعهم فتارة يكونوا من الأمراء فقال: "يَكُونُ بَعْدِي أَئِمَّةٌ لَا يَهْتَدُونَ بِهُدَايَ، وَلَا يَسْتَنُّونَ بِسُنَّتِي، وَسَيَقُومُ فِيهِمْ رِجَالٌ قُلُوبُهُمْ قُلُوبُ الشَّيَاطِينِ فِي جُثْمَانِ إِنْسٍ.."، وتارة يكونوا من الدعاة فعندما سأله حذيفة عن الشر، قال: "دُعَاة على أبواب جهنَّم، مَن أجابَهُم إليها قذَفُوه فيه"، وتارة يكونوا من عامة الناس ‏فقال:"يُقَالَ لِلرَّجُلِ: مَا أَجْلَدَهُ مَا أَظْرَفَهُ مَا أَعْقَلَهُ وَمَا فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ مِنْ إِيمَانٍ".

 

فلا يخدعنك معسول الكلام وكثرة الأيمان، فالمسلم كيس فطن، ‏ينبغي عليه أن يسير مستنيرًا بنور الوحي مستبصرًا دروبه، حذرًا من دروب الغواية، ومتمسكًا بسبل الهداية، لا يضله ‏عالمٌ صاحب هوى، ولا جاهل صاحب سلطة، ولا صديق صاحب مصلحة.‏