شعار قسم مدونات

كُتّاب الضمير الغائب

blogs كتاب

إننا كأمة متخلفون في مجالات صناعية وعلمية وإنسانية كثيرة، أما في مجال السجون والمعتقلات فلدينا خبراء مهرة، نسجت أعصابهم من الحقد والشذوذ يتلذذون بالآلام ويسرهم أن يسمعوا الأنين المتصاعد والعبرات المخنوقة كما يقول الإمام محمد الغزالي رحمه الله. وفي مجال تزييف الحقائق برز كتّاب يميز كتاباتهم النفاق، فأبدعوا في شغل المواطن عن المطالبة بأبسط حقوقه.

في حين أن دولاً غربية وشرقية أسست منظمات وسنت قوانين لحماية الحيوان خوفًا على حقوقه من بني الإنسان، ما زلنا كشعوب لا نتمتع بما يتمتع به حيوان شرقي أو غربي من الحقوق والحريات، ولا يزال يُفرض على هذا الشعب البائس من المحيط إلى الخليج أسوأ أنواع الخوف، خوف من الصمت وخوف من الكلام، خوف من الواقع وخوف من الأحلام، خوف من الموت وخوف من الحياة، وكل هذا الخوف يصدر من لعنة واحدة أصابت الحاكم العربي هي لعنة السلطة المطلقة، حتى صار يُخيّل للمواطن البسيط أن صاحب السلطان قد ملك رقاب الناس وصار المتحكم في حياتهم ومماتهم، في أرزاقهم ومعيشتهم. ولا تكفي سطور قليلة لذكر ما نعيشه من ظلم واستبداد لا ينقضي إلا بانقضاء آجالنا، لكن يظل السؤال الذي يطرح نفسه، أين الكتّاب والمثقفون من كل ما يحدث لشعوبهم؟

لا يمكن للشعب أن يقف في وجه الظلم أو أن يثور على من سلب حقوقه من غير الكتّاب الذين يرسمون له طريق الحرية
لا يمكن للشعب أن يقف في وجه الظلم أو أن يثور على من سلب حقوقه من غير الكتّاب الذين يرسمون له طريق الحرية

لو كان الفرد في بلدان المنطقة حاصلاً على الحد الأدنى من متطلبات العيش ولا نقول العيش الكريم لأن ذلك أبعد عليه من الوصول لكرسي الحكم، فلو أنه حصل على هذا الحد الأدنى، لعُذر المثقفون والعلماء إذا ما انشغلوا في توافه القضايا، وصغائر الأمور، والعجيب في الأمر أن كل من يخاطر بنفسه وحريته ويقف في وجه الفساد المتمثل بالحكومة وتوابعها يلقى من هؤلاء ما لا يلقاه الفاسد نفسه من نقد واتهام في نيته وفي ولائه لوطنه. والظاهر أن تعامل المفكرين والمثقفين في مجتمعاتنا مع ما ينتشر فيها من مشاكل ومصائب تعامل لا يجد الفرد أمامه إلا أن يحتسب لله.

 

فمثلاً تأتي حلولهم في كثير من القضايا مراعية للواقع وملامسة للجرح، ففي دول نسبة البطالة فيها تعدى النصف، ينشغل الشارع بصراع بين من يريد خلع الحجاب ومن يريد فرضه، وتسرق أموال الشعب على مرأى العالمين فتثار قضية مر عليها قرن من الزمن هل كان فلان أفقه من فلان، أم فلان أطول من فلان، وتنتشر المخدرات وتزدهر تجارتها في كثير من المدن، فيتكلم حضرة المفكر عن الفتوح الإسلامية في زمن الأمويين، ويُقتل أطفال غزة في كل ساعة وبلا رحمة على يد أحقر ملة خلقها الله، ليظهر ذاك الفيل ويتحدث بملء فمه أن صلاح الدين هو الذي أسس فكر القتل والدمار، أي سفلة هؤلاء، وما الذي يخطر في بالهم وهم يتناولون مثل هذه القضايا والشعب يعاني ما يعاني، صراحةً أن الحالة التي يمر بها هؤلاء لا تشبه أي حالة من حالات الجنون التي نعرفها.

لا أدري بما كان يشعر جان بول سارتر عندما كان يشتم الحكومة الفرنسية ويطلب من المثقفين الفرنسيين أن لا يقفوا صامتين بسبب العار الذي لحق بهم في احتلال الجزائر وأكثر من ذلك في كتابه بعنوان عارنا في الجزائر، في وقت كان بعض كتاب العرب يخجل من تحدثه بالعربية. فكيف بكتاب يحملون أقوى الأسلحة في أيديهم يعجزون عن الدفاع عن شعبهم ووطنهم، فهل من تفسير لصمتهم المخزي ولِما نراهم يقفون في صف كل طاغية وفاسد، إلا إن كانوا يعتبرون الحكومة هي الوطن، وبهذا لا يختلفون من حيث المبدأ عن علماء السلطان الذين يصرخون في كل مصيبة لا خروج على ولي الأمر، واصبروا على أولياء الأمور حتى لو ظلموا وقتلوا وسرقوا، فكل هذا مباح للحاكم في منطقهم، بماذا يختلف هؤلاء عنهم. النتيجة التي يوصلونها إلينا واحدة جعل الشعب يرضى بالعبودية لكن طريقة طلب ذلك تختلف باختلاف الأفكار النتنة التي يحملها الفريقين.

إن كان سكوت الكاتب وحياده جرم يستحق عليه أن يوصف بالجبن والخسة، فإن ركونه للحاكم الفاسد لهو خيانة لنفسه وشعبه وقلمه، فطالما نهضت الشعوب لصرخة من كتابها
إن كان سكوت الكاتب وحياده جرم يستحق عليه أن يوصف بالجبن والخسة، فإن ركونه للحاكم الفاسد لهو خيانة لنفسه وشعبه وقلمه، فطالما نهضت الشعوب لصرخة من كتابها

خلق الوعي عند العامة هو واجب الكتّاب والعلماء وقضيتهم الأولى في ظل تردي حال شعوبهم وتخلفها، ولا يمكن للشعب أن يقف في وجه الظلم أو أن يثور على من سلب حقوقه من غير الكتّاب الذين يرسمون له طريق الحرية، حتى أن جورج اورويل لم يستطع أن يفرق بين الثورة والوعي عندما قال: لن يثور الشعب حتى يعي ولن يعي حتى يثور. وبهذا تقترن الثورة بالوعي ويبدأ الوعي من أقلام الكتّاب وصرخة العلماء. 

إنَّ مقدار الحرية والعدالة التي يتمتع بها مجتمع ما هي التي تسيّرُ المجتمع نحو الحضارة وبناء الإنسان قبل العمران، وإن كانت الديانات السماوية كافة، قد أقرت حرية الإنسان فكيف لمخلوق أن يسلب هذا الحق بأي شكل من الأشكال، وكما قال أمير المؤمنين -رضي الله عنه- "متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً".

وإن كان سكوت الكاتب وحياده جرم يستحق عليه أن يوصف بالجبن والخسة، فإن ركونه للحاكم الفاسد لهو خيانة لنفسه وشعبه وقلمه، فطالما نهضت الشعوب لصرخة من كتابها، وطالما ساد الفساد والظلم بانحطاط الكتاب ونفاق العلماء.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.