شعار قسم مدونات

تجربة سفري إلى بيروت

blogs - بيروت
إنّ السفر قطعة من عذاب، مشقّة لا يعرفها إلّا من جرّبها، فماذا لو كنت فلسطينيّاً؟ لا مطار في وطنك، ولا جوازك السفر يتيح لك الخروج بسهولةٍ، وتعلم أنت وحدكَ القهر والمذلّة حتى تُنهي مرورك بثلاثةِ جسورٍ (الفلسطينيّ، الإسرائيليّ، الأردنيّ) وصولاً لدولة الأردن، وإن كانت هناك أزمة فسيتوجّب عليك الانتظار مطوّلاً ثمّ الانتقال لمطار ملكة علياء الأردنيّ.

بدأت حكايتي في بيروت، من إعلانٍ منشورٍ حول وجود دورة إعلامية، وحين راسلتُ ناشرها تبيّن أنها مخصصة لطلبة الإعلام فقط ولا يريدون صحفيين أو خريجي إعلام، فتناسيتُ الموضوع تماماً حين وقع رابط الدورة بالصدفة قبل آخر يومٍ للتسجيل فكانت الدورة مخصّصة لطلبة الإعلام، خريجي الإعلام، الصحفيّين، أساتذة ومدرّبي الإعلام، والمهتميّن به.

سجّلت بها، ولم يكُن لدي أدنى أمل بالفوز حتّى أرسلت لي أكاديمية التربية الإعلامية والرقمية في بيروت المسؤولة عن هذة المنحة رسالة بقبولي في المرحلة الأولى ولديّ مقابلة عن طريق skype بعد أسبوعين، آنذاك كنّا بشهر رمضان المبارك، قرأتُ كلّ ما يخصّ هذه الأكاديمية من أخبار ونشرات، وتصفحت موقعها كاملاً حتى تمّ قبولي بالمرحلة النهائية لحضور دورة مخصّصة عن التربية الإعلامية والرقمية في حرم الجامعة اللبنانية الأمريكية في بيروت من دولة فلسطين.

وأنت تجتازُ طريق بيروت لا تشعر إلا أنّك في فلسطين، لكن اللهجة اللبنانية المصحوبة بنغمة موسيقية هي المختلفة، أما الأجمل فمقاطعتهم للبضائع الإسرائيلية

لم يكن لديّ أدنى علم بصعوبة الوصول لبيروت من خلال الإجراءات الكبيرة خصوصاً تأشيرة السفر، فأنت بحاجةٍ لدعوة من الجامعة في بيروت أو المؤسسة الداعية لحضور مؤتمر أو ورشة (لحسن الحظ أن اكاديمية التربية الإعلامية والرقمية في بيروت تكفّلت بإصدار التأشيرة)، ورقة عدم ممانعة من وزارة الداخلية، وعدم ختم جواز السفر بأيّ ختمٍ إسرائيليّ وهنا كان العائق الأكبر!

لا نستطيع كمواطنين فلسطينيّين المرور من الحاجز الإسرائيلي حتى نصل الأردن دون ختم جوازنا إلا إذا كنّا حاملي الجواز الأردنيّ، احتجتُ أن أجدّد جوازي الفلسطيني وأصدر تصريح سفر كي لا يُختم على جوازي الفلسطينيّ، وانتظرتُ حتى وصلت تأشيرة السفر من بيروت قبل السفر بستّة أيام.
كان الشعور مختلفاً للغاية، بيروت التي شاهدناها دوماً عبر شاشات التلفاز، وتعرّفنا على كثير فيها من خلال منصّات التواصل الاجتماعي ستخطو قدمانا عليها، وسنستفيد من تجربة إعلاميّة أخرى في دولة معروفٌ عنها بحرّية التعبير والرأي دون تبعات تحقيق.

وهناك بدأ اللقاء، فلسطين اتحدّت مع 16 دولة عربية، صحفيون قدموا من مناطق عدّة منهم من اجتاز صعوبات كثيرة للوصول، وآخرون قضوا أيّام كثيرة وعانوا المشقّات كي يستفيدوا من هذه الخبرة الهائلة في الأكاديمية فيما كان أثر الوجع الأكبر باستشهاد الزميل الصحفي خالد الخطيب مراسل قناة RT أثناء تغطيته الإعلامية لعمليات الجيش السوري ضد تنظيم داعش.

في المخيمات الفلسطينية وجع الانتماء، الحب الذي زال دون إذن، والعيون التي تتربّص كل دقيقة لحظة العودة إلى الأرض التي هجّروا منها بعنفوانٍ
في المخيمات الفلسطينية وجع الانتماء، الحب الذي زال دون إذن، والعيون التي تتربّص كل دقيقة لحظة العودة إلى الأرض التي هجّروا منها بعنفوانٍ

أكاديمية التربية الإعلامية والرقمية في بيروت والتي احتفينا بها بخبرة جديدة في تخصّص إعلامي نسمع به لأول مرّة، محاضرات نظرية من أساتذة و مجموعة من بروفيسور لبإعلام لهم مدى وخبرة كبيرة، تدريبات مكثفة من الفرقة الرقمية التابعة للأكاديمية حول برامج مونتاج جديدة، وواجبات في آخر اليوم كان علينا تسليمها بساعات محدّدة ونشرها على المدوّنة الخاصّة بنا.

وأنت تجتازُ طريق بيروت لا تشعر إلا أنّك في فلسطين، كلّ شيء يشبهها، لكن اللهجة اللبنانية المصحوبة بنغمة موسيقية هي المختلفة، أما الأجمل والذي لا ينسى إطلاقاً مقاطعتهم للبضائع الإسرائيلية، فأنت تشتري كلّ ما يحلو لك دون أن تنظر أهو إسرائيليّ أو مستورد من الخارج، يا له من شعور جميل! كم مرّة دخلنا لمحلاتٍ في فلسطين وقلنا للبائع: "لماذا تجلب منتجات إسرئيلية؟"، فأجاب: "لا يوجد منافس، هي الألذّ".

عدنا لفلسطين محمّلين بذكريات جميلة من بيروت، المشهد البُكائي الوداعي الأخير لم يُمحى من بالنا، حين ترى توحدّ الدول العربية بشقّ القلب مرّة واحدة

كان لدينا صديق لبنانيّ اسمه علي أيوب، حدّثنا بالتفصيل عن بيروت، المناطق الموجودة فيها، جمالها، تاريخها، الجامعات، كلّ ما يدور بها، لا شكّ أن الشعب اللبنانيّ لطيف للغاية، والكلمة التي تتكرّر دوماً على لسانهم: "ما بأسّر" تعبيراً منهم أنّ لا شيء يستحقّ، لذلك ابتسم!

وفي المخيمات الفلسطينية وجع الانتماء، الحب الذي زال دون إذن، والعيون التي تتربّص كل دقيقة لحظة العودة إلى الأرض التي هجّروا منها بعنفوانٍ، هناك كلّ حديث لا يصفُ الواقع، تشعر بالبكاء المفرط رغماً عنك، لوطن الذي سلب من أبنائه رغماً عنهم، فباتوا في مكانٍ آخر ينتظرون لحظة يقال لهم بها: "فلسطين تحرّرت، عودوا ليافا وحيفا والناصرة وعكا..عودوا لفلسطين المحتلّة".

من التفاصيل الجميلة التي صدفتنا ببيروت، التعرّف على الإعلامية اللبنانية المميّزة مايا مجذوب صاحبة الفيلم الوثائقي تلفزيون وائع، والذي يجسّد بالتفصيل تاريخ القنوات التلفزيونية في لبنان مع الحرب الأهلية والانقسام بطريقة سلسلة ورائعة للغاية، فيما تصحبُنا ببرنامجها "شارعنا" الذي يتطرق لطرح مواضيع بكلّ جرأة وقوّة بنبرة صوت وخامة جميلة.

كان لنا خلال الدورة نقاشات موسعة مع عدد كبير من الإعلاميين والإعلاميات وأساتذة الإعلام من مختلف أنحاء العالم، هناك حيث تمتزج أفكارك بخبرةٍ جديدة كبيرة، فتقتبس من كل بلد ما يميّزك عن غيرك لتعود لوطنك مليئاً بمعلوماتٍ جديدة.

وفي لقاء موسّع مع المغنيّة السورية فايا يونان، شرحت لنا بالتفصيل كيف بدأت وحيدة على اليوتيوب ثم انتقلت بمشورع صغير حتى تنقل اسمها وصوتها الجميل للعالم بأجمع.
عدنا لفلسطين محمّلين بذكريات جميلة من بيروت، المشهد البُكائي الوداعي الأخير لم يُمحى من بالنا، حين ترى توحدّ الدول العربية بشقّ القلب مرّة واحدة، غادرنا حتى مطار رفيق الحريري ودموعنا استبقت هذه الأحداث كلّها.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.