حب الجمال.. أين المنتهى؟

مدونات - طبيعة بحر جزيرة

فطر الله الإنسان وجبله على حب كل شيء جميل، فحين يجول في خاطره أن يميل للراحة والمتعة فإنه يبدأ بجولةٍ في خياله عن أطيبِ مكان، وأحلى خضرةٍ تتمتع بجمال فائق، وتعتريه مياه جارية، وورود ملونة، وأزهار متنوعة، حتى يطيب النظر ويحلو الخاطر وتستريح النفس. وكلما نظر في جمال الطبيعة أمامه استحسن ما هو أجمل وأحسن مما رأى، وكلما سمع عن مكان فيه حدائق ذات بهجة، ومناظر ذات نعمة، اشتاق لرؤيتها، وحرص على زيارتها، والاستمتاع بالنظر إليها وهو خال البال مطمئن الضمير.

 
إنها فطرة حب الجمال غرسها الله في أعماق الإنسان وجعل قلبه مشرئب بها لأن المناظر الحسنة تنفرج بها الكروب، وتزول بها الهموم، وتنجلي بها الأحزان، وقد جعل الله الكون جميلاً قصداً فأبدعه وأحسنه "الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ"، حتى يكون العيش في الحياة مناسباً، فكلما كدَّرتِ الهموم عيشَ الإنسان، وضيَّقتِ الأحزان سعادته، نظرَ في الجمال والحُسنِ فيطيبُ خاطره وتحلو حياته وتزداد سعادته.

 

وقد بلغَ الجمال بالإنسان إلى لَفتِ نظره وشدِّ انتباهِهِ بل إلى أسر قلبه أحياناً! فحين يرى سيارة جميلة وفارهة أو يرى قصراً عظيماً مزخرفاً أو يرى حديقة غناء جميلة كلها بجمالها تخطف بصره، وتلفت انتباهه، وينظر إليها متأملاً جمالها وحسنها، بل حين يصل الإنسان مرحلة تكوين الأسرةِ مرحلةَ البحث عن شريكةِ الحياة، فأولُ ما يخطر في باله فطرةً البحثُ عن الجمال والحُسن، فإن وجد مبتغاه وتزوج بحسناءَ جميلة ثم رأى أجمل من شريكته، تمنى الأحسن! بمعنى أن حب الجمال لا حدود له في هذه الحياة لذا أمر الإسلام في هذه الخاصية بغض البصر حتى لا تفسد الحياة الزوجية. وقد كان الجمال ولا يزال مطمعاً للإنسان ومطلباً وإليه يهفو بقلبه، ويحن إليه بروحه.

  

وقد يبلغ حب الجمال بالإنسان إلى فقدان الوعي وتبلد الإحساس كما سحر جمال يوسف امرأة العزيز حتى بلغ شغاف قلبها، وتجاوزت حدودها وراودته عن نفسه، ولكنَّه أَبَى فلما علِمتْ نسوة في المدينة بالأمر احتقرْنَها وتكلمْنَ فيها فطلبتهنّ إلى قصرها لتضع لهنَّ امتحاناً عملياً فأعطت كل واحدة منهنَّ سكيناً، وقالت اخرج عليهنَّ فلما ظهر أمامهنَّ سحر جمالَه أبصارهُنَّ وأذهل حسنه قلوبهنَّ، وصارتْ حالتهنَّ بأشبه بفقدان الوعي؛ أدهشهنَّ وأبهتهنَّ حتى قطَّعنَ أيديَهنَّ بلا إحساسٍ ولا شعور! فيا لعظمة جمال يوسف! كيف أفقد وعي هؤلاء النسوة حتى قطّعن أيديهنّ! كيف لا وقد رآه نبينا صلى الله عليه وسلم لما أُسريَ به ووصل السماء الثالثة قال: فإذا أنا بيوسف عليه السلام وإذا هو قد أعطي شطر الحُسْن.

إذا فهذه الفطرة المغروسة في أعماق قلب الإنسان لا حدود لها في هذه الحياة، بمعنى لن تشبعها هذه الحياة. لكنه قد يتبادر إلى الأذهان تساؤل: لماذا غرس الله هذا الكم الهائل من حب الجمال في قلب الإنسان؟  

 

 النعيم العظيم هو النعيم المتجدد الأبدي الذي يشبع غريزة حب الجمال لدى الإنسان ومع ذلك أيضاً يكون جمال الإنسان نفسه في غايته ومنتهاه يتجدد باستمرار
 النعيم العظيم هو النعيم المتجدد الأبدي الذي يشبع غريزة حب الجمال لدى الإنسان ومع ذلك أيضاً يكون جمال الإنسان نفسه في غايته ومنتهاه يتجدد باستمرار

إن الإحساس الفطري بحب الجمال الكامن في قلب الإنسان جزء منه للابتلاء في الدنيا، ولن تُشبَع هذه الغريزة إلا في الآخرة الحياة الأبدية الخالية من الموت القاصم للملذات والشهوات. فشهوة الإنسان وأطماعه هي أيضاً لا حدود لها، لأن مكانها الأصلي ومستقرها الفعلي هي الجنة لا غيرها، ولم تخلق إلا من أجلها أما الدنيا فهي مؤقتة للتزود لها.

 

فحين نتأمل ما في الجنة نجد أن نعيمها وزخرفها يمتاز بشيئين: السَّعَة والتجديد، حتى يستمتع الإنسان بالجمال الفائق فيها، فالسَّعَةُ للتنقل والتنوع، والتجديدُ للمتعة والراحة، فأقل أهل الجنة نعيماً يكون له مثل أكبر ملك من ملوك الدنيا خمسين مرة أو مثل الدنيا عشر مراتٍ، وله أيضاً ما اشتهت نفسه ولذَّت عينه هذا أقل أهلها فكيف بمن هم أعلى، فلو تأملنا صاحب المال في الدنيا نجده يتنقل من مكان لآخر ومن بلد لبلد يتنزه ويتفكه، مستمتعاً بجمال الأرض وزخرفها محاولاً إشباع غريزة حب الجمال لديه، ومع ذلك لا يقدر على إشباعها، لذا فالجنة واسعة المكان مترامية الأطراف بهاء عظيم وحسن ساحر، حدائق وأنهار، خيام وقصور، غرف من فوقها غرف، وأعظم ما فيها خلوها من أدنى هم أو غم، استمتاعهم فيها وهم متكئون في قمة السعادة والعافية، وكلما رأوا نعيماً تجدد ذلك النعيم وعاد أحسن مما كان، فحين ينظر أهلها في جمالها وسعتها وزخرفها تتحرك ألسنتهم فطرة بـ"سبحان الله" ما أجمل ما يرى! وما أمتع ما يشاهد! ثم يحمد الله تعالى على هذا النعيم العظيم فطرة ويكبر الله تارة أخرى.

 

خالق الجمال وبارئه بديع السماوات والأرض، ما نظر العبد لجمال إلا هو من صنعه، وما رأى من بهجة إلا هي من تصويره، فأعظم متعة وأرقى سعادة وأسمى نظرة هي لجمالِ الخالق سبحانه

إنه النعيم العظيم الأبدي الذي يشبع غريزة حب الجمال لدى الإنسان ومع ذلك أيضاً يكون جمال الإنسان نفسه في غايته ومنتهاه يتجدد باستمرار، وكذا جمال زوجاته فيها والتي وصفهن الله كاللؤلؤ المكنون، والياقوت والمرجان، ويرى الناظر وجهه في كبد إحداهن كالمرآة من رقة الجلد وصفاء اللون.

 
حتى يظن أهل الجنة أنهم بهذا النعيم العظيم قد وصلوا غاية الجمال والحُسْن، ورأوا أَحْسن كلَّ شيء وأَجْمله، وأشبعوا غريزة حُبِّ الجمال لديهم واستمتعوا بغاية المتع والمناظر، وهم في متعهم ولذتهم بجمال الجنة ونعيمها يناديهم المولى تبارك وتعالى فيقول لهم: "تريدون شيئاً أزيدكم؟ فيقولون: ألم تبيض وجوهنا، ألم تدخلنا الجنة، وتنجنا من النار؟" إن هذا لعظيم وأي شيء أعظم من دخول الجنة، "قال: فيكشف الحجاب فما أعطوا شيئاً أحب إليهم من النظر إلى ربهم عز وجل".

 
خالق الجمال وبارئه بديع السماوات والأرض، ما نظر العبد لجمال إلا وهو من صنعه وإبداعه، وما رأى من بهجة إلا وهي من خلقه وتصويره، سبحانه جل جلاله جميل يحب الجمال كما قال عليه الصلاة والسلام، فأعظم متعة وأرقى سعادة وأسمى نظرة هي لجمالِ الخالق سبحانه، وسيراه المؤمنون كما يرون القمر ليلة البدر وكما يرون الشمس ليس دونها سحاب، فأعظمُ لذةِ نظرٍ لجمالٍ هي له سبحانه، وبالمقابل فالشقاوة والخسران حين يحرم المجرمون من لذة النظر إلى وجهه سبحانه "كَلَّا إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ" فهو عقاب لهم على شقاوتهم في الدنيا، لذا كان من دعائه صلى الله عليه وسلم "وأسألك لذة النظر إلى وجهك، والشوق إلى لقائك".