السقوط المدوي لنظرية فقهاء السلاطين

A Saudi woman drives her car along a street in the Saudi coastal city of Jeddah, on September 27, 2017. Saudi Arabia will allow women to drive from next June, state media said on September 26, 2017 in a historic decision that makes the Gulf kingdom the last country in the world to permit women behind the wheel. / AFP PHOTO / Reem BAESHEN (Photo credit should read REEM BAESHEN/AFP/Getty Images)

من بين كل ردود الأفعال المرحبة بقرار السعودية السماح للمرأة بقيادة السيارة أثار موقف ما يسمى بـ "هيئة كبار العلماء" في السعودية الكثير من تعاليق الدهشة والاستغراب والحيرة بسبب التحول المفاجئ في موقف هذه الهيئة وأعضائها من "كبار العلماء" وانقلابهم على "فتاواهم" التي كانوا "يجتهدون" في تأصيلها حتى جعلت بلادهم آخر دولة في العالم تَحرُم المرأة من واحد من أبسط حقوقها.

 

مصدر الغرابة في موقف هذه الهيئة هو تحوله المفاجئ من التحريم إلى السماح والإيجاز، وربما حتى بدون الرجوع إلى "هيئتهم"، لأن قرار "الإباحة" لم يأتي في "فتوى" مبنية على أسانيد شرعية، وإنما ورد في "الأمر الملكي" كتحصيل حاصل، وكقرار فوقي تحدث بلسان "الهيئة" عندما ورد في نفس "الأمر الملكي" ما يلي: "أغلبية أعضاء هيئة كبار العلماء يقولون إن الحكم الشرعي في ذلك هو من حيث الأصل الإباحة"، لكن من يراجع فتاوى مفتيي المملكة السابقين والحاليين المنشورة سيجد آراء مختلفة تتناقض مع هذا الأمر.

 

لقد جاء الأمر الملكي كقرار يقطع الطريق أمام هذه الهيئة وأعضائها التي ظلت لعشرات السنين تمنع المرأة من قيادة السيارة وتبرر ذلك بتعاليم الدين وقوانين الشرع. وكما كان متوقعا لم يتأخر رد فعل هذه "الهيئة" التي بادرت إلى المباركة والمبايعة معتبرة أن قرار الملك "يتوخى مصلحة بلاده وشعبه في ضوء ما تقرره الشريعة الإسلامية"، وذلك في تناقض صارخ مع فتاوى منعها وتحريمها بل وتجريمها لسياقة المرأة للسيارة في بلادهم، والتي مازالت منشورة على مواقعها الرسمية!

 

إن أحد أهم آثار هذا القرار، الذي يظل مجرد ثورة صغيرة مرحب بها في بلد مازال يحكمه نظام من القرون الوسطى، هو كشفه عن زيف ونفاق وازدواجية خطاب إن أحد أهم آثار هذا القرار، الذي يظل مجرد ثورة صغيرة مرحب بها في بلد مازال يحكمه نظام من القرون الوسطى، هو كشفه عن زيف ونفاق وازدواجية خطاب "هيئة كبار العلماء" وتسخيرها للدين لخدمة مصالحها ومصالح الحاكم
 

هذا "الانقلاب" المفاجئ في موقف هؤلاء "العلماء" يضعنا أمام السقوط الأخلاقي لما يسمى بـ "نظرية" فقهاء أو وعاظ السلاطين، والتي تقوم على مقولة  أن "الإسلام هو دين ودولة"، وتجسدت هذه المقولة في بنية النظام السعودي الهجين الذي قام منذ تأسيسه على قطبي رحى هما مؤسسة الحكم والمؤسسة الدينية التي تحولت مع مرور الزمن إلى "ملحقة" تابعة لمؤسسة الحكم تبارك وتبايع وتشرعن قراراتها كما حصل مع القرار الملكي الذي أجاز للمرأة قيادة السيارة رغم وجود العديد من "الفتاوى" التي تحرم هذا الأمر صادرة عن "هيئة كبار العلماء" وعن الكثير من أعضاء هذه الهيئة كانوا يرون في ذلك "رذيلة" و"مفسدة" و"فتنة".

 

ومن أبرز هذه "الفتاوى" فتوى عبد العزيز بن باز، الرئيس السابق لـ "هيئة كبار العلماء"، والتي ترى أن قيادة المرأة للسيارة "تؤدي إلى مفاسد لا تخفى على الداعين إليها، منها: الخلوة المحرمة بالمرأة، ومنها: السفور، ومنها: الاختلاط بالرجال بدون حذر، ومنها: ارتكاب المحظور الذي من أجله حرمت هذه الأمور، والشرع المطهر منع الوسائل المؤدية إلى المحرم واعتبرها محرمة".

 

وآخر هذه "الفتاوى" تلك الصادرة عن رئيس "الهيئة" الحالي عبد العزيز آل الشيخ في أبريل من عام 2016، عندما رد على ما كانت تنشره الصحف السعودية حول مطالب النساء بالسماح لهن بقيادة السيارة محذرا مما وصفها "فتن قيادة المرأة للسيارة،" وطالب بعدم السماح بذلك أو إقرار هذا الأمر لأنه "خطير يعرِّض النساء لأبواب شرّ كبيرة". ومما جاء في نفس "فتوى" الرئيس الحالي لنفس الهيئة التي باركت الأمر الملكي: "قيادة السيارة قد تفتح عليها (المرأة) أبواب شر ولا تنضبط أمورها، فالواجب والمطلوب منا ألا نقرَّ هذا؛ لأن هذا أمرٌ خطيرٌ يعرِّضها للشرور؛ ولا سيَّما من ضعفاء البصائر الذين يتعلقون بالنساء، وربما سبب خروجها وحدها وذهابها إلى كل مكان من غير علم أهلها بها شرور كثيرة، نسأل الله السلامة والعافية".

 

موقف مشابه عبر عنه الموقع الرسمي لصالح بن فوزان الفوزان، عضو اللجنة الدائمة للإفتاء وعضو هيئة كبار العلماء في السعودية ردا على رسالة سابقة ليوسف القرضاوي وجهها للملك السعودي يحثه فيها على الترخيص للمرأة السعودية بقيادة السيارة، ومما جاء في هذا الموقف: "الشيخ القرضاوي لم يذكر دليلاً على فتواه سوى أنه يقول: لا يوجد نص صريح على تحريم قيادة المرأة السيارة، وهل هو استقرأ  الأدلة كلها فلم يجد ما يدل على هذه المسألة، ثم قوله : لا يوجد نص صريح هل يريد أن توجد آية أو حديث يقولان لا تجوز قيادة المرأة للسيارة بصريح العبارة وأين دلالة العموم ودلالة القياس ودلالة الإجماع وقاعدة سد الذرائع، هل هذه كلها لا يستدل بها،  وإذاً لتعطل كثير من الأحكام الشرعية ..".

 

لا أحد يعرف ماذا سيكون رد هذا "الشيخ" اليوم بعد أن أسقط "الأمر الملكي" كل الأدلة والقواعد والقياسات "الفقهية"، وبات ما كان محرما حتى البارحة أمرا مباحا من حيث الأصل حسب نفس الحكم الشرعي الذي كان يستند عليه "فقهاء السلطان" لتبرير وتزيين قراراته.

 

لقد حول "فقهاء السلاطين" "الفتاوى" في مملكة "آل سعود" إلى "صكوك" يتاجر بها الفقهاء تحت الطلب تلبية لأهواء وتقلبات مزاج الحاكم

لقد كان قرار منع المرأة من قيادة السيارة في السعودية قرارا متخلفا منذ بداية وجوده، وجد له "فقهاء السلطان" مبررات "شرعية" لتحريمه دينيا، وقد حدث ذلك عندما كان "جناح الفقهاء" قويا ومؤثرا داخل بنية نظام الحكم السعودي، وفي ظل استحكام جناح الحكم في مفاصل النظام، تحول "الفقهاء" إلى "سدنة" في بلاط السلطان يبررون ويزينون ويشرعون قراراته.  وهكذا تم إلغاء "الفتوى الدينية" بقرار سياسي صادر عن الملك وفي نفس الوقت بمباركة من "هيئة الفتوى"!

 

إن أحد أهم آثار هذا القرار، الذي يظل مجرد ثورة صغيرة مرحب بها في بلد مازال يحكمه نظام من القرون الوسطى، هو كشفه عن زيف ونفاق وازدواجية خطاب "هيئة كبار العلماء" وتسخيرها للدين لخدمة مصالحها ومصالح الحاكم، وهذه هي بداية الثورة الهادئة التي ستلفت انتباه الناس إلى السلطة الوهمية للمؤسسة الدينية، التي عانى الناس من "فتاواها" في السعودية، بسبب تأويلات رجال الدين لتعاليمه، وتسخير "فقهاء السلاطين" شرائعه لخدمة الاستبداد وإدامته وللسكوت على الفساد واستشرائه.

 

لقد حول "فقهاء السلاطين" "الفتاوى" في مملكة "آل سعود" إلى "صكوك" يتاجر بها الفقهاء تحت الطلب تلبية لأهواء وتقلبات مزاج الحاكم، وليست هذه هي المرة الأولى التي يعاني منها الدين من تسييسه، فقد حدث ذلك منذ فجر الإسلام عندما رُفعت المصاحف في معركة "صفين" في أكبر خديعة تاريخية استعمل فيها الدين بالأمس للانقلاب على السلطة السياسية، ومنذ ذلك التاريخ وهذه الأخيرة مختطفة وتجد من بين فقهاء كل العصور من يبرر ذلك الاختطاف غير الشرعي.

 

لقد سبق لعالم الاجتماع العراقي علي الوردي أن أثار، قبل نصف قرن، في كتابه "وعَّاظ السلاطين" الانتباه إلى خطورة "نفاق" رجل الدين على الدين نفسه. وما أحوجنا اليوم إلى إعادة قراءة هذا الكتاب العميق والجريء الذي يكشف عورة تجار الدين في كل العصور الذين توعدهم القرآن بالقول: "فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَـذَا مِنْ عِندِ اللّهِ لِيَشْتَرُواْ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَّهُمْ مِّمَّا يَكْسِبُونَ".