الحرية للمعتقلين بين الخيال والواقع

Blogs- prison
كم كنا سذج حينما اعتقدنا في أن الخروج من المعتقل حصول على الحرية، الحرية التي دفعت الملايين للاحتشاد في الميادين المصرية الرحبة في الخامس والعشرين من يناير من عام ألفين وأحد عشر منادين باسمها فمنهم من قضى نحبه، ومنهم من زج به في غياهب المعتقلات والتي وإن كانت ممارسة الحرية فيها كممارسة المسلمون الأوائل لعباداتهم بدار الأرقم بن أبي الأرقم فإن التجربة أثبتت بما لا يدع مجالاً للشك أنها أفضل كثيراً من ممارسة الحرية خارجها.
          
ربما كان الاشتياق إلى الأهل والأصدقاء والبحث عن الحرية دافعاً لجميع من هم خلف أسوار المعتقل لطلب الخلاص من تلك القيود والصلاة من أجل حلمهم المشروع إلا أنهم بعدما تحصلوا عليها بات يتملكهم الخوف على جميع من خرجوا من أجلهم من أن تعاد الكرة مرةً أخرى، فلم يعد هناك أمان لأي مواطن يحيا خارج أسوار المعتقل ولا ضامن له من أن يصبح خلف أسواره بين ليلة وضحاها سوى الموت أو الفرار من جحيم تلك البلاد إلى خارجها أو أن تنحي جميع المبادئ والقيم جانباً وتحيا لاعقاً لبيادة الحاكم وحاشيته وماشيته.
        
فمن مآسي مصر اليوم أن مرحلة الخروج من السجن والعيش وسط هذا المستنقع الكبير خارجه أصبح بمثابة عقاب أشد وطأة من الحبس الاحتياطي والحصول على حكم بالسجن المؤبد أو حتى بالإعدام فالمصائر داخل المعتقلات محتومة وتفكير المعتقل وتطلعاته لا تتعدى "شبرين وقبضة يد" تمثل حدود الفرش الذي ينام ويجلس ويأكل فوقه المعتقل على العكس تماماً من الحياة خارجه حيث المستقبل بلا ملامح تذكر، والعمل غير متوفر وإن توفر يكاد أن يكون بصعوبة بالغة، والاستقرار غير متاح ولا سبيل للعيش سوى أن تعيش مطارداً فذاك أسلوب الحياة، قد ينفض من حولك بعض الأصدقاء وقد لا تجد من تشاركك متاعب الحياة، ويكفيك ارتفاع صوت سارينة شرطة في المنزل من أحد الهواتف أثناء لعب طفلك ليجعلك تنتفض من نومك العميق خوفاً من تكرار التجربة المريرة، ربما تحددت رقعة تحركاتك بعيداً عن الكمائن الشرطية، وإن كان في سهر الليل حياة للعشاق فقد خلق السهر لك مغلفاً بالقلق والتوتر ومتابعة عقارب الساعة حتى مطلع الفجر والتأكد من سقوط اسمك من كشوف زواره.

             

ما يلاقيه المعتقلون داخل السجون وخارجها لن تحله المقدمات النارية لإعلامي المعارضة في الإستديوهات المكيفة، وبات ضرورياً أن نحرر المصطلحات قبل أن نبغبغ بها فبلا شك أن السجن لن ينجح في تغيير الفكرة!
ما يلاقيه المعتقلون داخل السجون وخارجها لن تحله المقدمات النارية لإعلامي المعارضة في الإستديوهات المكيفة، وبات ضرورياً أن نحرر المصطلحات قبل أن نبغبغ بها فبلا شك أن السجن لن ينجح في تغيير الفكرة!
 

تحضرني هنا لحظات إطلاق سراحي والتي غلفتها التهاني والتهليلات والتكبيرات من زملاء الزنزانة فرحاً بنيل الحرية، تلك اللحظات التي كسر ضحكاتها المتعالية صوت أتى من بعيد لزميل معتقل امتلأت ملامح وجهه بالابتسامة فرحاً لفرحتنا غير أن حديثه اكتست كلماته بالشفقة حيث قال "قدم العزاء لنفسك، خروجك ظاهره العودة للحرية إلا أنه لا حرية في تلك البلاد، بعد قليل سوف تخرج من مجتمع نقي إلى مجتمع ملوث حيث الفساد والذل والاستعباد، فتمسك بالحق وبأفكارك النقية ولا تعطيهم الفرصة أن يلوثوك" كلمات أدرك جميع خريجو المعتقل معناها منذ الوهلة الأولى لهم خارج أسواراه.

       

نما إلى عقل القيادات أن المعتقل مكاناً أكثر ملائمةً لكل مغلوب على أمره ومضطهد من ملح أرض هذا الوطن المنكوب فقررت عدم الخوض في الأمر والاكتفاء بالبحث عن بطولات واهية!

وعلى الرغم من كل هذه المعاناة لازال نزلاء المعتقل وخريجوه ثابتون على أفكارهم التي لم تنجح الأسوار العالية في تغييرها، وعلى الرغم من أن مصائرهم باتت مرهونة بمصير نظام عسكري أركان حكمه متغلغلة في جسد الدولة منذ ما يزيد عن الستة عقود من الزمان إلا أن إيمانهم بعدالة قضيتهم يزيدهم تمسكاً وإيماناً بها. خلاصة القول أن ما يلاقيه المعتقلون داخل السجون وخارجها لن تحله المقدمات النارية لإعلامي المعارضة في الإستديوهات المكيفة، وبات ضرورياً أن نحرر المصطلحات قبل أن نبغبغ بها فبلا شك أن السجن لن ينجح في تغيير الفكرة إلا أنه نجح نجاحاً منقطع النظير في تأخير بكرة على العكس تماماً مما ينادي به أصحاب الشعارات الحنجورية، وحرية المعتقلين الذي اتخذه من قبل غاندي ومانديلا ورفاقهما أسلوب حياة ومنهجاً، أمنوا به ورسموا من أجله خطط التحرر والخلاص من الحكم الديكتاتوري الفاشي الفاشل المجرم.

                   

تجردت نفس الكلمات من معناها على أيدي بعض من نزعوها الروح واكتفوا بتلحينها وغنائها من خارج حدود هذا المستنقع الكبير حيث الرقي والحضارة والحرية الكاملة غير المنقوصة في خضم دولة علمانية وفرتها لهم وأصبحوا يعيشون منعمين في خيراتها من دون تمييز مسبحين بحمد رئيسها وحزبها وشعبها بعد أن استكثروا علينا مجرد التحدث عنها إبان ثورة يناير المجيدة حيث كانت العلمانية "من وجهة نظرهم" رجز من عمل الشيطان. 

          

ليظل باب التساؤل التي تبحث يائسةً عن إجابات مفتوحاً، ففي ظل ضبابية رؤية قادة المعارضة داخلياً وخارجياً للمشهد إضافة إلى فشلهم الذريع في إدارة الأزمة، هل بات رفع شعار الحرية للمعتقلين كافياً ومنطقياً في ظل هذه الظروف التي يمر بها المعتقل أو المطلق سراحه منه؟ وهل الشعارات وحدها حلاً في ظل هذه الأزمة التي يعيشها آلاف الأسر في مصر؟ أم أن تلك القيادات قد نما إلى علمها أن المعتقل مكاناً أكثر ملائمةً لكل مغلوب على أمره ومضطهد من ملح أرض هذا الوطن المنكوب فقررت عدم الخوض في الأمر والاكتفاء بالبحث عن بطولات واهية ومقاعد قيادية في كيانات اندثرت بفعل حماقات قادتها!