"قصّة الله" الفيلم الذي لم ننتجه

عرضت قناة "ناشيونال جيوغرافيك" في عام 2016 سلسلة وثائقية بعنوان "قصّة الله" وهي ستّة أفلام وثائقية تناولت مواضيع ستّة شائكة تشترك بها جميع العقائد الدينيّة في الأرض سواء أكانت سماويّة أو بشريّة، ربّان هذه الحلقات والذي لا يمكنني تسميته بمجرد "مقدّم" لدوره الذي تجاوز عرض المضمون إلى إحياء المعنى، هو الممثل الأمريكي "مورغان فريمان".

هذه السلسلة الوثائقية هي من الإنتاجات النادرة التي استطاعت أن تصنع من إحدى أشدّ المواد الفكريّة جموداً حالة فيلمية تحوي كافّة عناصر جذب المشاهد وإشباع حاجاته الفكريّة مع حشد كثيف لاهتمامه وإمتاعه بالصورة والصوت، يمكن وصف هذه التجربة بأنّها من أنجح وأبرز التجارب التي جمعت بين فنّ الفيلم الوثائقي وفنّ الفيلم الروائي.

حضور الدين الإسلاميّ في سلسلة "قصة الله"  يكاد أن يكون معدوماً وليس بارزاً بالرغم من أنّ حلقة "قصة الخلق" أثنت على الإسلام باعتباره أكثر الأديان توافقاً مع العلم

توزّعت الحلقات على المواضيع الستّة (ما وراء الموت، نهاية العالم، من هو الله؟، قصة الخلق، لماذا الشرّ موجود؟، قوة المعجزات)، يسافر مورغان إلى سبع دول حول العالم تُعتبر منشأ الديانات المختارة في السلسلة، ليلتقط مورغان مفهوم كل ديانة عن هذه المواضيع، ويعرض تلك المفاهيم مجرّدة كما هي ولا يعرض أيّة آراء معارضة أو منتقدة لها، بل يجلس باهتمام الباحث عن الإجابة والتوّاق للمعرفة في حضرة كل ديانة ليستمع قصّتها عن الله.

النّاحية الثانية المميزة في هذه السلسلة هي محاولاتها للربط بين المفهوم الدينيّ لكل موضوع والتفسير العلميّ لذلك، فيذهب مورغان إلى أطبّاء وعلماء مختصّين في مجالاتهم العلميّة حاولوا تفسير قصّة الله من منظور علميّ بالمادة والاختبار الملموس، أمّا توظيف الدراما في السلسلة فكان متزناً وسلساً بعيداً عن الكثافة المرهقة للمشاهد، وقريباً كل القرب من الأداء السينمائيّ المشوّق عالي الجودة، كما ابتعدت السلسلة في التعليق الصوتيّ عن الطرح المعقّد أو المصطلحات التي تحتاج إلى تعريفات دقيقة، ولم تخض في جذور تفصيلية لكل ديانة بل سلّطت الضوء على التفسير الرئيسيّ لديها حول كل موضوع في السلسلة.

أشرتُ في البداية بأنّ "مورغان فريمان" في هذه السلسلة هو أكثر من مُجرد مقدّم، هو بطل السلسلة والعامل الرئيسيّ في رفع قيمتها لا لوجوده فيها فحسب كأحد أعرق الممثلين العالميين، بل لتفاعله اللافت في كل حلقة مع المعلومات التي يستكشفها بنفسه من كل ديانة، فهو لا يخفي ردّة فعله على ما يسمع ويرى بل تجده عنصراً حيّاً في الحدث دونما تصنّع لحالة الدهشة أو الإعجاب أو حتى الخوف والترقّب، وتجده في كل حلقة يروي تجربته الشخصيّة حول موضوع تلك الحلقة ويعقّب في ختام كل حلقة بما يظنّه هو، ولا يُقحم المشاهد بقناعات يفرضها عليه بل هو بشكل واضح يكرر عبارة "هذا ما أظنّه".

وبالنسبة للمشاهد من المنطقي والمتقبل لديه أن يستمع لنتاج خبرات "مورغان فريمان" الرجل البالغ من العمر ثمانين عاماً لابدّ لديه الكثير في حياته الحافلة، وعاصر عدّة مراحل متقلبة على مدار التاريخ، فلا يجد المشاهد عناءً في استيعاب أن يعطيني هذا الرجل خلاصة رأيه، والتي تظهر في الفيلم في دقائق معدودة لا تتجاز دقيقتين أو ثلاث. شخصية مورغان بهدوء الحكيم وفكاهيته المعاصرة المفعمة بالحيويّة بالإضافة إلى نبرة صوته وقدرته على التحكّم بطبقاته الصوتيّة كل هذا نقل السلسلة إلى مستوى جديد في تجارب العمل الوثائقي الخاصّ بالعقائد الدينيّة للبشر.

لكنّ السلسلة أخفقت في أمرين وكليهما في ظنّي هامّين، الأمر الأول: حضور الدين الإسلاميّ في السلسلة يكاد أن يكون معدوماً وليس بارزاً بالرغم من أنّ حلقة "قصة الخلق" أثنت على الإسلام باعتباره أكثر الأديان توافقاً مع العلم في تفسير كيف بدأ الخلق ، لكن بالمقارنة مع حضور باقي الديانات في السلسلة وتفسيرها للمواضيع المطروحة فكان تواجد الإسلام خجولاً متواضعاً.

أمّا الأمر الثاني: حضور قصة بناء المعبد اليهوديّ مكان المسجد الأقصى المبارك بوضوح شديد بالتركيز على الرواية الصهيونيّة بخصوص المعبد، فمورغان يقف قبالة المسجد الأقصى المبارك مع حاخام يهوديّ ويشرح له الحاخام مشيراً بيده إلى المسجد الأقصى المبارك بأنّ هناك يقع مكان المعبد اليهوديّ الذي لابدّ من إعادة إقامته، وتظهر هذه الرواية كمُسلَّمة تاريخية في السلسلة وأنّ تحقيقها يعني تأجيج الصراع في القدس، كذلك يُغلق ملف القضية الأكثر حساسيّة لدى المسلمين فيما يتعلق بالمقدّسات في سلسلة "قصّة الله".

الحاجة ما زالت موجودة للطرح الجريء والمنوّع فيما يتعلق بالعقائد الدينيّة ودورها في تشكيل العالم الإنسانيّ الذي نعيشه اليوم.

هذا النوع من الأفلام تعزفُ القنوات العربية الوثائقية عن الخوض فيه، وتزهدُ كل الزهد بالرغم من قدراتها الإنتاجية عن طرق الأبواب التي تَعنى بعقائد البشر بطرح الأسئلة الجدلية حولها، فما زالت صناعة الفيلم الوثائقي عربياً تخضع لمعايير رغبة السوق، فمؤسسات الإنتاج الوثائقي في الغالب يعنيها تقديم التصوّر الذي يلقى قبولاً لدى القنوات الوثائقية، ويعود الأمر إلى اللجنة أو الجهة المعنية في القناة بالموافقة على تلك التصوّرات وتقييمها..

وهنا نقف على مدى التقبّل الشخصيّ لأفراد تلك اللجنة أصحاب القرار ومدى اتساع أفقهم لقلب الطاولة على النماذج التقليديّة في الإنتاج الوثائقي للانطلاق نحو الاحتفاء بالقيمة الإنسانية دينيّاً. ما قد يميز القنوات الوثائقية عن بعضها، هو عناية بعض القنوات بتغطية ساعات بثّها على مدار الساعة، في الوقت الذي ينصبُّ اهتمام قنوات وثائقية أخرى على صناعة وعي بالثقافة الوثائقية، ممّا يحتاج إلى تكوين ثقافي عالي إلى حدّ كبير ومتنوّع التخصّصات لدى الهيئة المسؤولة عن تحديد الخطّة الإنتاجية لتلك القنوات.

لقد كان للجزيرة الوثائقية تجربتها في هذا المضمار ضمن فئة أفلام مجتمعات دينيّة وربما تكون هذه التجربة هي الرائدة في العالم العربيّ وقد ظهرت في مرحلة مبكرة، اعتمدت في معالجتها على التعليق والمقابلات وتقديم المادّة الخام للموضوع أمام الكاميرا يتخلّلها معايشات متنوعة من بيئة التصوير. بيد أنّ الحاجة ما زالت موجودة للطرح الجريء والمنوّع فيما يتعلق بالعقائد الدينيّة ودورها في تشكيل العالم الإنسانيّ الذي نعيشه اليوم، وفي الذكرى العاشرة لانطلاقة قناة الجزيرة الوثائقية التي شقّت مسارها بقوّة، نستطيع أن نتوقع استراتيجية ممّيزة ورؤية مبتكرة تتعلق بوثائقيات العقائد الدينيّة.



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

استقرار الأمور لدى مسلمي الغرب المستوطنين اليوم، أحد المسارات المساعدة للتوازن المفقود، والمطلوب للطريق الثالث، والشق الثاني هو مهمة مثقفي الشرق الإسلامي وعلمائه المتنورين بحقائق مقاصد الشريعة، لتدشين المسار الجديد.

الأكثر قراءة