دواعش الشرعية ونازية الانقلاب

A protester holds an Egyptian flag as he stands in front of water cannons during clashes in Cairo January 28, 2011. Five years ago thousands of protesters took to the streets demanding the end of the 30-year reign of President Mubarak as Egypt became the second country to join the Arab Spring. After weeks of clashes, strikes and protests across Egypt, Mubarak resigned on February 11, 2011. REUTERS/Yannis Behrakis SEARCH "EGYPT UPRISING" FOR ALL IMAGES

ما أهون الوطن على أبنائه، وما أنجح العدو في إحداث حالة التشرذم والانقسام والضعف بالبيئة العربية عامة وبالمصرية خاصة، ليس لحنكته وذكائه بقدر ما هو غباء أو تواطؤ بعض أطراف الصراع في هذه المعادلة الجهنمية التي جاءت في ظرف تاريخي حرج من عمر الوطن العربي، سمها إن شئت ثورات أو مخططات شيطانية أو فوضى خلاقة.. لا يهم. قلنا مراراً إن الحالة العبثية التي نراها في معسكري الصراع في مصر ستطيلُ في عمر الانقلاب أكثر وأكثر. وهذه الحالة سببها الغلو في التطرف الفكري بين كل فصيل. 
 

نجحت أذرع الانقلاب الإعلامية سواء على مواقع التواصل أو بالقنوات على الجانبين في مهمتها بجدارة، في إرباك الطرف الآخر وفي اللعب بالمشاعر والعقول وما زالت محاولات المقاومة الحقيقية بعيدة كل البعد عن القدرة على التأثير والتثوير لقطاعات عديدة من الشعب ترى أن الوضع الراهن رغم مأساويته إلا أنه أفضل من الضياع الكامل كما يصور لهم النظام وأعوانه الآن.

لا بد من حكماء ينهون حالة البغض والكراهية بين أبناء الوطن مؤكدين على أن الصراع ليس صراع بين طوائف الشعب بل هو صراع بينهم وبين طغمة فاسدة منحرفة وباطشة.

ولعلنا نتساءل ما الذي يبقي الحالة المصرية على ما هي عليه؟ وإلى متى؟
إذا كانت الحالة السورية أو اليمنية أو العراقية تتحكم فيها الأطراف الخارجية بشكل علني ومكشوف فإن الحالة المصرية لا يراد لها ذلك، لأن طبيعة الشعب المصري تختلف عن غيرها من طبائع الشعوب.. لذلك أريد لها أن تظل تتأزم من الداخل في ملفات شائكة ومتشابكة حتى يبدو للناظر أن هناك صراع بين طائفة ممقوتة وبين باقي الشعب ومن هذا المنطلق تم اللعب بالعقول وبالمشاعر للشخصية المصرية، يطبقون قانون "فرق تسد" بحرفية وبدعم سيظل قائماً رغم الكراهة والتحفظ.
 

لا أكاد أشك في أن هناك متطرفين من الفريقين هم السبب الأساسي في استمرار حالة التشاحن والاحتقان التي تمر بها مصر، بل وتمنع العقلاء -خاصة من ذوي المظالم- من السير في اتجاه الحل.
 

في حالة "الدعشنة" يأتي البعض بكلمات حق يراد بها باطل مثل: الثأر والقصاص وحقوق المعتقلين وحقوق الشهداء والحرب على الإسلام ولا اصطفاف مع الخونة.. بينما على الطرف الآخر يصر فريق على وصف نفسه بالوطنية والأحقية في العيش لأنه المواطن الحق والذي سيتحمل الصعاب حتى يعبر الوطن هذه المرحلة وما عداه فهو في عداد الخونة المتآمرين فيستخدم كلمات مثل: محور الشر، المؤامرة الكونية على مصر، التنظيم العالمي للإخوان، حقوق الأقباط، الحرية للأقليات، لا تسامح مع الإرهاب، نحن شعب وهم شعب.. في تجلي لمعاني النازية والاستعلاء.
 

وما لا أشك فيه أيضا هو صدق النوايا والعاطفة الجياشة للتابعين المخدوعين أو المدفوعين دفعا لتكرار هذا الكلام -بتوجيه إعلامي شيطاني يريد استمرار هذه الحالة- ومن الفريق الأول من إذا سألته عن تنظيم الدولة: سارع وأجاب هم صنيعة مخابراتية أمريكية.. وبها بعض المخدوعين الصادقين. فإذا قلت له أليس من يقوم بتأليب جانب الشرعية ومنعه من إجراء خطوات سياسية والاصطفاف مع غيره ربما يكون عملا مخابراتيا سقط فيه بعض المخدوعين؟ يقول لا هذه غير تلك.
 

وعلى الجانب الآخر إذا قلت لمؤيدي الانقلاب إن ما تقومون به يودي بمصر للهاوية بسبب تصديقكم إعلام كاذب ومضلل، ولكم في التاريخ القديم والحديث عبرة. كان جوابهم إن الدولة بمؤسساتها أفضل من لا دولة. ثم تدخل مع كلا الطرفين في جدال عقيم لا ينتهي إلا بتصلب كل ذي رأي لرأيه دون النظر للمصلحة العليا للدولة ولا للآثار الكارثية نتيجة هذه الحالة العدائية بين الطرفين يتعصب كل فريقٍ لمذهبه وتأخذه العزة بالإثم بينما يحركهما منتفعون من الجانبين مصلحتهم أن يظل الوضع على ما هو عليه لما يحققون من مكاسب، مثلهم كمثل تجار الحروب فاحذروهم، وأقصوهم من معادلة المصالحة.
 

والحل؟
لا بد من حكماء من الطرفين ينهون حالة البغض والكراهية بين أبناء الوطن من الجانبين مؤكدين على أن الصراع ليس صراع بين طوائف الشعب بل هو صراع بينهم وبين طغمة فاسدة منحرفة وباطشة سواء من هذا الطرف أو ذاك، وإن لم يتدارك الجميع الأمر-لا قدر الله- فإن المحرقة ستأكل الجميع. فمصر الآن لا تحتاج لا دواعش ولا نازيين جدد.