شعار قسم مدونات

إسماعيل الإسكندراني.. عام من الظلم

blogs- إسماعيل الإسكندراني
جاء العام الجديد، واحتفل الناس في المعمورة، آملين أن يكون أفضل من سابقه وأن يخف الجنون ولو قليلا، وأن يتعاطف المنطق مع سكان الأرض ويقرر زيارتهم ولو لهنيهة.

كانت الاحتفالات صاخبة وباذخة في أماكن عديدة من الكوكب؛ لكن العام الجديد أعلن عن نفسه بشكل سافر وموغل في الهمجية، صرخ بأن السلم والعدل لم يحن وقته؛ وكانت الدماء التي سالت في اسطنبول أتعس افتتاح، فقد أفسدت الاحتفال وحولته لمأتم، هكذا أعلن الجهل وعصاباته المارقة عن خطتهم للعام الجديد.

يحب إسماعيل مصر وتسكن قلبه ويعبر عن حالها، وقد عرف بانحيازاته الحقوقية والرافضة للظلم؛ فكان ناشطا قبل الثورة وواصل نشاطه بعدها، كان يقول رأيه بشجاعة ويتحمل تبعاته.

وكان للسلطويات إعلاناتها أيضا؛ ففي مصر أم الدنيا سابقا وأم الستين ألف سجين رأي حاليا، قررت الفاشية العسكرية المتحكمة فيها أن تبدأ السنة بتجديد حبس واحد من سجناء الرأي المسجونين احتياطيا، وهو إسماعيل الإسكندراني. وقد مر عام وشهر على توقيفه. تلك رسالتها التي فضلت بعثها بداية العام للمدافعين عن حقوق الإنسان، وللرافضين للصوت الواحد.
 

لم ألتقي بالصحفي والباحث إسماعيل الإسكندراني ولم أحدثه من قبل وحتى أننا لسنا أصدقاء على شبكات التواصل الاجتماعي؛ لكنني أعرف ما كان ينتج وهو حر، كنت أقرأ ما يكتب من مقالات وتحليلات وتحقيقات استقصائية ثرية ومفيدة، فهو غزير الإنتاج والعطاء ويساهم في الكثير من المنصات والصحف، وكنت سعيد أنني "زميل" له في ملحق السفير العربي الذي يصدر عن جريدة السفير اللبنانية، الجريدة التي تم دفنها مع نهاية العام المنصرم بعد مشوار طويل وثري القيمة، وكان إسماعيل أحد أسس ذلك الملحق وقد قدم من خلاله وهو يتنفس هواء الحرية مواد رصينة عن الوضع في سيناء ومصر عموما، أفادتني كثيرا وبالتأكيد أفادت غيري، كان يقدم فيها رؤية مخالفة لما تجتره أبواق النفاق في مصر.

إسماعيل ثلاثيني من مدينة الإسكندرية؛ المدينة ذات الحالة الخاصة في مصر، البقعة التي كانت تروق لي قبل أن أراها، وهمت في عشقها بعد زيارتي لها، ويعرف نفسه على مدونته قائلا: "سكندري النشأة والمسكن والهوى.. سيناوي الهوى.. لا أدرى هل تركت قلبي بين نخيل العريش.. أم لا يرويني سوى خليج وبحر شرقي القناة".

يحب إسماعيل مصر وتسكن قلبه ويعبر عن حالها، وقد عرف بانحيازاته الحقوقية والرافضة للظلم؛ فكان ناشطا قبل الثورة في عدة جبهات وحملات مناهضة للسلطة وواصل نشاطه بعد الثورة. كان يقول رأيه بشجاعة ويتحمل تبعاته.

وذنب إسماعيل أنه يقدس الحرية والكرامة الإنسانية وهو ابن لبلد يحكمه نظام؛ يعيش على إهانة الإنسان وانتهاك حقوقه.

وفي 29نوفمبر2015، تم توقيفه في مطار الغردقة حيث كان قدما من ألمانيا، كان قادما لرؤية والدته المريضة رغم أن لديه تخوفات من أن تنتهي القصة باعتقاله. وبدأت بعد ذلك رحلته مع الحبس وتجديد الحبس؛ وقد وجهت له نيابة أمن الدولة العليا تهم الانضمام لجماعة أسست على خلاف القانون والترويج لأفكار هذه الجماعة، وإذاعة ونشر أخبار كاذبة؛ ولا يزال إسماعيل في حالة حبس احتياطي؛ كأن النظام المصري يريد الانتقام منه بسبب فضحه لممارساتها، فالفاشية تخاف أي صوت مخالف للقطيع.
 

وذنب إسماعيل أنه يقدس الحرية والكرامة الإنسانية وهو ابن لبلد يحكمه نظام؛ يعيش على إهانة الإنسان وانتهاك حقوقه، نظام لا يسمح ولو بنزر قليل ولو خجول من الخروج عن دائرة الخطاب الممجد له، ولنا في قصة الصحفي والكاتب الزعاقي إبراهيم عيسى وتوقيف برنامجه أوضح مثال؛ فرغم أن إبراهيم، واحد من المسبحين واللاعقين للأحذية العسكر ورأس نظامهم، والمروجين لبلاهتهم والمشرعين لفاشيتهم؛ لكنه حين صرح وبخجل بما يخالف هواهم، قرروا لجم فمه، فهم قوم لا يؤمنون بغير النفس الواحد والمحدد. ومن يغرد خارج سربهم لا مصير له سوى الدوس بالأحذية الخشنة.
 

إسماعيل يدفع ثمن قناعاته وهو في حكم المختطف؛ لكن جلده أقوى من جلاده، الحرية لك يا إسماعيل ولمصر؛ فالصحافة ليست جريمة، وفي محبسك أقول لك لعلها تصلك، ننتظر مقالاتك في ملحق السفير وغيره من الأماكن التي كنت تفضل أن تطل علينا منها، ننتظر خروجك لمواصلة نضالك وانتقادك للدكتاتورية وللديماغوجية ولعشاق الدماء وتجار الدين.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.