في السبات المخيف

blogs - mother
شيء ما يحول بين المرء وعقله عندما تكثر المشاغل في يومه وتزدحم من حوله المهام فتفكير الإنسان بحاجة للاستجمام والراحة كباقي أجزاء جسده، والذين يبقون في هذا الرتم الصعب على مدار أيام وربما شهور وسنوات يفتقدون مع هذا الإهمال نضارة قلوبهم ونشاطها والشعور بجمال الحياة ورونقها.

ما يفهم من هذا الكلام لأول وهلة هو إعطاء الجسد حقه من الراحة من أعباء وضغوط الحياة، ولكن المقصود هو إعطاء العقل والتفكير فترة مواجهة حقيقية لإعادة ترتيب الأولويات وما تصرف فيه الأوقات.

فالكثير من الناس في دوامة حقيقية وروتين قاتل وصخب من كل مكان، فلا خطة لحياتهم ولا مقياس لإنجازاتهم ولا وجود لوقت خاص مع أنفسهم وخاصة الأمهات فما يسميه المجتمع للأسف تضحية وبذل وعطاء من الأم إلى أبنائها؛ ما هو إلا قتل بطيء لأجمل سنوات حياتها وحكم بالإعدام على إمكانياتها الفكرية ومواهبها وبصمتها المميزة التي تنتظر أن تطبع أو تسجل لها في المجال الذي خلقت له في هذه الحياة.

الإنسان لن يكون في خير طالما أن عداد العمر يسابقه إلى نهاية أجله في هذه الحياة، وعدّاد عمله في غفلة أو لهو.

فليست الأمومة يا سيدتي أن لا يراك طفلك تقرئين كتاباً أو تمارسين رياضة أو هواية، بل الأمر على العكس من ذلك تماما، فالأم التي تقضي معظم وقتها في المطبخ لأجل إعداد طبق يستغرق تناوله دقائق لن يتربى طفلها إلا على تقديس شهواته وتلبية حاجات جسده، والأم التي تقضي وقتها بين صديقاتها تغتاب وتنقل الأخبار وتعيب وتنتقد لن يتربى طفلها إلا على المقارنة وانتقاص الناس وتضييع الأوقات في اللغو والتفاهة، والأم التي تقضي أيامها أمام المرآة ومن سوق إلى سوق ومن قناة إلى برنامج لن يتعلم طفلها تقدير نفسه ومعرفة مواهبه وتنميتها، والقائمة تطول وقد لا تنتهي فلو استعرض كل منا شريط أوقاته لوجد أن النوم يأخذ من عمره الثلث تقريبا، ففي دراسة تبين أن الإنسان لو عاش 60 سنة فإن النوم لوحده سيكون قد أخذ من عمرة 20 سنة ماعدا الوقت الذي يقضيه في الأكل والتلفزيون والإنترنت ووسائل المواصلات وغيرها من الأوقات التي تهدر، ويبقى الإنسان يعيش في إطارها المتسارع دون التفاتة إلى ما قدم ولا سؤال لنفسه فيما هو مشغول، السؤال الذي يتبادر إلى الذهن الآن فيم نحن مشغولون فعلا؟

هناك تقرير مخيف نشرته مؤسسة الفكر العربي يقول أن معدل قراءة الفرد العربي لا يتجاوز الست دقائق سنويا، أي ربع صفحة، وهو في تناقص بينما معدل قراءة الأمريكي 11 كتابا في السنة أي بمعنى آخر أن كل 20 شخص عربي يقرؤون كتابا واحدا في السنة بينما يقرأ الأمريكي الواحد ما يقرأه 220شخص عربي.

كثيرا ما يردد الناس في عالمنا العربي في كل عيد أو رأس سنة أو رمضان العبارة الشائعة "كل عام وأنتم بخير" ولكن في حقيقة الأمر أن الإنسان لن يكون في خير طالما أن عداد العمر يسابقه إلى نهاية أجله في هذه الحياة، وعدّاد عمله في غفلة أو لهو، كمن يسرق من نفسه أغلى وأثمن شيء خلقه الله له ثم لا يعرف من السارق ولا كيف يوقف هذا العدوان عليه، لأنه اعتاد طيلة أعوامه السابقة أن لا يرى من إنجازاته سوى أنه أكل ونام وتوظف ثم تزوج وأنجب ثم يجد من نفسه الوهن والضعف الذي تعقبه الحسرة على ما مضى وتمني للشباب أن يعود يوما.