شعار قسم مدونات

عن الكتابة بنمطها السوداوي

blogs - الكتابة

"عام جديد يستحق التفاؤل يا ولدي..اكتب".  بهذه الجملة افتتحت أمي صباح أول يوم في عامنا الجديد هذا. هي تدرك حجم القنوط الذي يلازم ابنها، وينخر في طاقاته باستمرار، وتعي جيدا حجم الوهن الذي يتمرس في نفسيته، جراء الحروب، والنزاعات التي ترسبت في المشهد العربي المعاصر.
 

لا شيء يدعو للتفاؤل يا أمي سوى ابتسامتك التي تغمرني بالحب والحنان، في خضم الكراهية، والشحناء التي تعصف بالعالم. لكن لأجل عينيك سأعود لمزاولة هوايتي البكر (الكتابة) باعتباري كاتب ينسل من دياجير الأدب العربي المحبط، والمحبط للغاية. رغم أنني لا أعرف عما سأكتب في هذا العام المبهم ببداياته؟، فقد مللت الكتابة عن الوجع الذي يحاصر الكاتب العربي، ويضيق الخناق على آماله، ويئد تطلعاته.
 

الكاتب العربي يولد مشحوناً بعاطفة الحزن ومشاعر الانكسار، إذ أن الحزن والانكسار يمكن تصنيفهما كصفات وراثية تنتقل من الأباء للأبناء بالتعاقب.

مللت الحديث عن نكسة حزيران ٦٧، استوفيت الكتابة عن هزائمنا في الضفة الغربية، وخسائرنا في القطاع، مسّني اللغب من الكتابة عن مآسي النزاع الدامي في العديد من الأقطار العربية.  صحيح بأن الكتابة تبقي العلاقة قوية بين الكاتب، وقلمه، وتمنح الكاتب قدرا من الارتياح المسجى بالعاطفة، لكن البؤس يقتل الإبداع، ويشوه المفردات في أعين الكاتب مهما بلغ بريقها في أعين القُراء.
 

أنا كاتب عربي يا أمي، وانتماءي مكتوب له الإبحار في يم الأنين كما جرت العادة. الكاتب العربي يا سيدتي سيكتب الكثير من المقالات، والقصائد والروايات في مختلف مراحل حياته، لكنها ستولد مشوهه، بمقدور القارئ الحصيف أن يستشف الطابع الانهزامي الذي يلفها من بين السطور، وروائح العبارات، ذلك أن الكاتب العربي يولد مشحوناً بعاطفة الحزن ومشاعر الانكسار، إذ أن الحزن والانكسار يمكن تصنيفهما كصفات وراثية تنتقل من الأباء للأبناء بالتعاقب.
 

الشاهد أن المنصة الفكرية للكتاب العرب المعاصرين-بدءً بالشعر، والنثر، وانتهاءً بالمقال، والقصة- كلها تنضح بالأسى، وتتضمن محتويات أليمة، وأعمال كهذه من شأنها نقل مشاعر الخيبة، والبؤس إلى القُراء، سواء النشء، أو الكبار، وهكذا دواليك.
 

ليس بوسعنا إزاحة الكآبة عن مفرداتنا عندما نكتب، وليس بمقدورنا فرض واقع مشرق، أو متفائل في عمق كتاباتنا، فالحزن الذي جرعتنا إياه الحقبة السياسية في الوطن العربي زهاء ثلاثة عقود، أمسى كثقافة تأصلت فينا ككتاب، وقادة رأي، وأرباب أقلام، وبات من الصعب تغيير واقع تشربناه، وحتماً سنسقي به براعمنا، إن استمر الوضع العربي على ما هو عليه.
 

سأعود للكتابة رغبة مني في البوح، والبوح وحده لا سواه، لعلي أتخفف من هموم أمة أثقلت كاهلي، ونالت من عزائمي، والبوح وسيلة للتحرر من الضغوط كما يقول الفلاسفة.

شخصياً ككاتب، لا أنكر إني أشتاق للفرح، وأحلم بالسباحة في أمواجه بأي وسيلة ممكنة، لكن الحزن يفرض نفسه على مخرجات فكري، وشعوري، ويعطيها شزراً من سوداويته مهما حاولت التمرد. لقد منينا بهزائم قاسية عبر التاريخ، فغدت جراحنا غائرة، خصوصاً نحن الكتاب، والمثقفون العرب، وتمكنت مجمل الظروف والأوضاع المأساوية في البيت العربي من إسقاط آثارها علينا غصباً عن إرادتنا.
 

نعم يا أمي سأعود للكتابة لا من أجل ممارسة دور المثقف العربي، ذاك الذي يرتدي بدلة أوروبية أنيقة، ويقتني السيجار الأوروبي الفاخر، ثم يكتب منشور مضرج بالإحباط على حائطه في الفيس بوك، بل سأعود للكتابة رغبة مني في البوح، والبوح وحده لا سواه، لعلي أتخفف من هموم أمة أثقلت كاهلي، ونالت من عزائمي، والبوح وسيلة للتحرر من الضغوط كما يقول الفلاسفة، سأبوح عن مواجعي دفعة واحدة، على أمل أن أتمكن من إسقاط إمبراطورية الكآبة المتمرسة في أعماقي، لأقيم على أنقاضها جمهورية للسعادة مهما كانت التحديات.. وعد يا أمي .