شعار قسم مدونات

زعماء "الشمع" العربي

blogs - arab
الفكرة مطبّقة في أكثر من عاصمة ومدينة سياحية عربية وعالمية، في بيروت مثلاً هناك متحف للمشاهير، قبل أن تصعد درجاته الأولى أو يسمح لك بعبور بوابته عليك أن تدفع رسوم الدخول المقررة "20"دولاراً على ما أذكر.. بعد أن تدفع المبلغ المطلوب تستطيع أن ترى جميع مشاهير لبنان تحت سقف واحد من أدباء وسياسيين ومطربين وفنّانين وراقصين ومسرحيين، وكل يرحّب بك على طريقته..

الشاعر يهز رأسه ويحرّك قلمه فوق أوراق مطبوعة مسبقاً وهو يلقي أشعاراً من نتاجه، المطرب يصدح بموّال أو "ميجنا" "كرمال عيونك"، والسياسي يلقي خطبة حول الوطن والتحالفات ونبذ الطائفية وخطورة الأوضاع الراهنة، وما عليك كزائر سوى أن تتجوّل أمام تماثيل الشمع لمشاهير الوطن العربي وتحظى بتحيات حارة وأصوات أقرب إلى الطبيعية وابتسامات معلّبة يمتزج بها الخطب السياسية بالرقص الثابت بالعتابا الوطنية نظير 20 دولاراً لا غير..
 

اصنعوا لنا متحفاً نتذكّر به عروبتنا.. نشاهد بها عوراتنا في صناديق الزجاج.. نعتبر من "مومياءات" العواصم التي مشت على يمّ الوعود..

**
سؤالي لم لا يتم تحويل الجامعة العربية إلى متحف للزعماء العرب على غرار المتحف المذكور، بدلاً من أن تبقى خاوية على عروشها، تلعب الريح بأبوابها وغرفها الخالية وممراتها المهجورة سوى من "الفرّاشين" المناوبين الذين يكنسون أعقاب السجائر وحروف عروبتنا المدلوقة، ويمسحون أكعاب أحذية وزراء الخارجية والمندوبين الدائمين وماء وضوء المأذون والشهود العدول أثناء حضورهم عقد قران آخر العواصم العربية على مغتصبها؟

لماذا لا يتم تحويل الجامعة العربية إلى متحف مدفوع الثمن.. لماذا يترك هذا الصرح الشامخ بالخيبات والخلافات للعناكب تنصب بيوتها على "الميكروفونات" الصامتة، والكراسي الغائبة عن الحضور، والأعلام المقلوبة على طاولة الاختلاف..
 

الأمر لا يحتاج إلى إجماع عربي، بوّاب الجامعة يستطيع أن يقرر ذلك بنفسه، فليفرض "20" دولاراً أو "50" أو "100" لا فرق.. المهم أن يُستغل هذا المبنى الضخم المهجور في مشروع ربحي يعود بالنفع على الشعوب العربية، يجمع هذا الريع ويرصد لأيتام المدن المنكوبة الذين خسروا آباءهم وأمهاتهم بسبب تلكؤ الزعماء في الحضور، أو التعمّد في عرقلة سبل الاجتماع، أو الاختلاف على أولوية الشجب، أو الغياب بسبب تأخر الحصول على تصريح المشاركة من مكتب شؤون الموظفين في "البيت الأبيض"..

إذا فشل أن يكون مقراً عربياً ينتصر لقضايانا طوال السنين المنصرمة.. فليكن متحفاً عربياً يستقبل السياح ليروا خيباتنا القادمة إذن، افتحوا أبوابه لكل الزائرين من العالم دعوهم يلتقطوا الصور خلف منصات التأتأة، وميكرفونات هتك العربية الفصحى، واغروهم ليروا "التحف البشرية" عن قرب..

من يدفع قيمة "الدخولية" يستطيع أن يلتقي بجميع زعماء "الشمع" العربي ويسمع أصواتهم المسجّلة تتكلم عن الوحدة العربية وعن "القدس" عاصمة فلسطين، وعن الانقسام حول الحرب على العراق وتقسيمه، وعن الانقسام حول حفظ الشام وعن ضرورة العمل العربي المشترك، ورفع التوصيات إلى الأمم المتحدة وتكثيف اللقاءات الثنائية، وإزالة الخلافات العربية العربية وتفعيل "العتابا والميجنا" القومية.. صدقّوني أن ما سيسمعونه من تماثيل الشمع داخل الجامعة العربية هو نفسه ما سيسمعونه من تماثيل الشمع في قصور حكمهم وعلى محطات التلفزة.. الفرق الوحيد.. أن تماثيل الشمع الأولى كربون البطارية الذي يحركها وينطقها.. وتماثيل الشمع الثانية صبغة اللون الأحمر المسمى مجازاً "الدم" هو الذي يحركها وينطقها..

**
أخيراً، ولأن الجامعة العربية متعددة الطوابق والقاعات والغايات.. تستطيعون أن تعرضوا مقتنيات الزعيم العربي كتعويض عن حضوره البهي، "بيجاماته"، "جواربه"، "عباءاته"، قبّعاته، سيوفه المذهّبة، مسدسّاته اللامعة، مفاتيح خزائنه، ، خلاخيل جواريه، كراسيه المروّسة بالجماجم، المحفورة بعناية بأصابع الأطفال الذين قضوا تحت حكمه، مدامع ضحاياه، نياشين انتصاراته في الحروب التي لم يخضها، والوطن الذي ورثه عن أبيه.. فالوطن أيضاَ بعض من مقتنياته..
 

اصنعوا لنا متحفاً نتذكّر به عروبتنا.. نشاهد بها عوراتنا في صناديق الزجاج.. نعتبر من "مومياءات" العواصم التي مشت على يمّ الوعود.. نتذكّر أصنامنا التي عبدناها كل هذه السنين بين ركوع وسجود..