شعار قسم مدونات

دولة الحرية أولا

blogs- الحرية

لا شيء اليوم تحتاجه الشعوب العربية يماثل احتياجها لِلهواء لِتَتَنَفَّسَ، كاحتياجها للحرية.. فالحرية أصبحت اليوم حاجة وضرورة ملحة في العالم العربي، ومطلبا جماهيريا في سبيله سالت دماء عزيزة.. ولعلها هي المطلب الوحيد الذي لا تختلف عليه كل القوى الوطنية في العالم العربي بمختلف تشكيلاتها وتوجهاتها الفكرية والسياسة.
 

ومع ذلك فإن هذه القوى هي نفسها تمثل جزء من المشكل الذي يعيق التقدم نحو الحرية!.. إن الأنانية السياسية التي انطبعت بها التيارات ذات التوجهات العلمانية، وجمود التفكير وضعف الوعي بأساليب التعامل مع اللحظات التاريخية الفارقة والتحولات الكبرى لدى الإسلاميين كانا عاملين أسهما في إعاقة تقدم الربيع العربي وفي وتأجيل تحقق حلم الشعوب العربية.
 

أولوية الأوليات التي ينبغي أن يعمل الجميع اليوم من أجلها هي العمل على إقامة نظام حكم ديمقراطي تعددي يشترك فيه الجميع دون إقصاء لأحد، وتعود فيه القوى العسكرية والأمنية إلى ثكناتها.

لقد ارتكبت التيارات العلمانية خطيئة منكرة -في الحالة المصرية والتونسية- في حق الشعوب العربية وفي حق الإسلاميين وفي حق نفسها يوم انحازت إلى صف الثورة المضادة وفضلت العودة إلى الماضي على صناديق انتخابات تأتي بالإسلاميين! ولقد كان تقديرها بأن الجيش سيسلمها السطلة تقديرا ساذجا، فكل دورس التاريخ القديم والحديث تؤكد أن الجيش لم يُسَلِّمْ السلطة للمدنيين إلا في حالة سوار الذهب، وهو الاستثناء الذي لم يتكرر ولا أعتقد أنه سيتكرر.
 

ولقد أخطأ الإسلاميون حينما تعاملوا مع اللحظة التاريخية التي مر بها العالم العربي -التي أعقبت سقوط الأنظمة الاستبدادية- بمنطق الإصلاح والبرامج الحزبية. صحيح أن الشعوب انتخبتهم ولكن لحظات التدافع الكبرى لا يمكن أن يديرها فصيل سياسي واحد مهما كان وعيه ومهما كانت خبرته، وما ينبغي التعامل معها إلا بطرح ما هو مشترك وما هو جامع لكل القوى الوطنية، وتأجيل كل ما يحدث الشقاق في سبيل تثبيت المكتسبات ومنع العودة إلى الماضي. إن أي تعامل مع لحظات التحول الكبرى بغير هذا سيؤدي حتما إلى الانزلاق ثم السقوط، وهذا ما حدث بالفعل في مصر وكاد يقع في تونس لولا تراجع حركة النهضة وإلجامها لمطامحها في الهيمنة والبقاء في الحكم.
 

إن حركات الإسلام السياسي وهي التي كرست في أدبياتها قاعدة التدرج وسال مداد كثير من زعمائها ومفكريها لإقناع الناس بأن التدرج في الإصلاح والتغيير سنة من سنن هذه الحياة لا يمكن القفز عليها ولا تجاوزها، قد خانتها ذاكرتها في عزَّ شعورها بنشوة النصر -يوم أطاحت الشعوب بأنظمة الاستبداد العريقة في المنطقة ويوم منحتها هذه الشعوب ثقتها فدفعت بها إلى سددة الحكم- فقفزت على قاعدتها الذهبية متناسية "ما في طبائع البشر من الاستعصاء" -وفق تعبير ابن خلدون- فانتهى بها المطاف مطاردة في الشوارع وداخل أقبية السجون.

إن أولوية الأوليات التي ينبغي أن يعمل الجميع اليوم من أجلها هي العمل على إقامة نظام حكم ديمقراطي تعددي يشترك فيه الجميع دون إقصاء لأحد، وتعود فيه القوى العسكرية والأمنية إلى ثكناتها ومواقعها الصحيحة، ويكون الْحَكَمُ الوحيد فيه هو صندوق الاقتراع والانتخاب الشعبي الذي لا تؤثر عليه ضغوط ولا تتدخل فيه الدولة بهيبتها وإمكانياتها لترجيح كفة أحد على أحد.
 

لقد آن الأوان للإسلاميين أن ينطلقوا من معطيات الواقع ليدركوا أن إقامة "دولة الشريعة" -بحسب تعبير ابن خلدون- من الصعب تحققه في الواقع الحالي ما لم تقم قبل ذلك "دولة الحرية" على أنقاض "دولة الطبيعة" لتكون هي المقدمة واللبنة الأولى لإقامة دولة الشريعة. إن ترسيخ قيم الديمقراطية والعدل والحرية ودولة القانون حتما سيكون لصالح الجميع، وسيهيأ لأرضية لأصحاب المشاريع للتنافس الإيجابي على أصوات الشعب في أجواء حرة ونزيهة، أما طرح المشاريع والهويات الإيديولوجية في أجواء التدافع والشحن الإيديولوجي فلن يحقق سوى إسقاط الحرية وترسيخ تحكم الاستبداد السياسي.