شعار قسم مدونات

تنمية خلفيات المبدع قبل أدواته التعبيرية

blogs - light
(1)
الإبداع ليس نشاطاً منفصلاً عن أنشطتنا، وإنما هو الأسلوب أو الكيفية التي نؤدي بها أنشطتنا الحياتية المختلفة، وليس هو تلك الأنشطة، أو بعضها -كما هو متعارف عليه-.. وبالتالي فهو ليس تلك الوسائل والأدوات، كالرسم والكتابة والشعر والإلقاء، ونحوها من المعبرات التي توحي بأن هناك روحاً إبداعية كامنة..

الكتابة والشعر والرسم والإلقاء،.. عبارة عن أدوات ووسائل للتعبير عن خلفية ثقافية وفكرية- ذات أبعاد محددة- لمن يطلق عليه لقب "المبدع".
 

تمليك المبدع تصوراً صحيحاً عن الإبداع، وما يرتكز عليه، وما هو مطلوب من المبدعين- يعطيه إحساساً بمكانته في المجتمع، وموضعه بين بناة حضارته.

ولعل الفقرات الثلاث السابقة، قد أظهرت ما يمكن أن نطلق عليه "عناصر المعادلة الإبداعية".. ويمكننا تمثيل تلك العناصر برسم مبسط كالآتي: خلفية ثقافية وفكرية.. يؤدي المبدع على ضوئها أنشطته الحياتية… وقد يعبر عن ذلك ببعض المعبرات، كالرسم والشعر ونحو ذلك… ثم تأتي الخطوة الأخيرة التي سأذكرها لاحقاً "تسخير الإبداع لخدمة المجتمع".

بالرؤية المتكاملة لمسار الإبداع، يمكننا- وبكل سهولة- التعرف على "المبدع"، وبإمكاننا بعد ذلك- أن نضع تعريفاً سهلاً للإبداع. نتجنب به الاستغراق في عالم التعريفات الجزئية المتضاربة..

ولعلي أجيب من يتساءل عن علاقة "الخلفية الثقافية والفكرية" بموضوع الإبداع- بأن "الإبداع" كائن غير ذي قيمة، سواء أفهمنا الإبداع بالمعنى الشائع، أو بالمعنى الذي ذكرتُ.

المعنى الشائع للإبداع، أنه "النشاط أو مجموع الأنشطة التي يقوم بها من يوصف بالمبدع".. وأن وصف "المبدع" لا يمنح إلا لمن قام بأنشطة نمطية، أطلقت عليها فيما سبق "أدوات ووسائل للتعبير"، كالرسم والكتابة والشعر..

بل إن من الناس من يرى أن الإبداع إنما يكون في كيفية تقديم تلك "الأدوات والوسائل" لجمهور المتلقين.. فالكاتب المبدع عندهم، هو من ينمق كتاباته، ويزخرفها بأجمل الألفاظ، ويحشوها بغريب المصطلحات، ويتكلف البلاغة، ويتقعر في رسم الحروف.. ومثله الرسام المبدع، والشاعر المبدع،… إلخ.

وبما أن جميع التعريفات والتوصيفات التي ذكرتها متفقة في تركيزها على جانب "الأنشطة والكيفيات"، فإن الناحية القيمية ستظل مستبعدة بطبيعة الحال؛ لأن هذه الأنشطة والكيفيات ليست كائناً "عاقلاً" يتحتم عليه الالتزام بقيم وسلوكات، أو تقاليد، أو نظم..

وبناء على التفصيل السابق، فإن الكائن القيمي- المطالب بالقيم- فيما يتعلق بموضوعنا وغيره- هو الشخص المبدع نفسه، بغض النظر عن التعريف الذي منح على أساسه اللقب..

وبما أن الأمر كذلك، فإن جميع الأنشطة التي يقوم بها ذلك الإنسان المبدع- بما فيها أدوات ووسائل التعبير- يفترض أن تنطلق من قاعدته القيمية التي أسميناها سابقاً (الخلفية الثقافية والفكرية).

(2)
بموجب تعريفنا للإبداع بأنه "الكيفية أو الأسلوب الذي به الشخص المبدع جميع أنشطته الحياتية"- فإن جهود ترقية الإبداع وتطويره، ينبغي أن توجه- أول ما توجه- إلى ذات الإنسان (المبدع)، لا إلى أدوات ووسائل تعبيره عن الإبداع؛ وذلك حتى نحصل على دفق إبداعي متواصل، ومتصل- في ذات الوقت- بقيمنا، وأعرافنا السامية..

بتنميتنا للمبدع، ينمو الإبداع بالضرورة، وعندما ينمو الإبداع المرتكز على نمو الإنسان؛ تتطور حياتنا بتوازن، وتنمو بتكامل.

ليس ذلك فحسب، بل إن الجهود التي يفترض أن تبذل في هذا الإطار- ينبغي أن تنطلق من تصور متكامل، وخلفية فكرية تستصحب قيمنا وثقافتنا، ورؤية واضحة لأهداف الإبداع، ودور المبدعين، فضلاً عن وضوح البرامج المعدة لتأهيلهم وتنمية إبداعاتهم، وما إلى ذلك..

تمليك المبدع تصوراً صحيحاً عن الإبداع، وما يرتكز عليه، وما هو مطلوب من المبدعين- يعطيه إحساساً بمكانته في المجتمع، وموضعه بين بناة حضارته، ورافد فكره الإنساني الرفيع..

وفي ذلك الإحساس، تكريم عظيم للمبدع، يفوق ما يقدم لمن يسمون بالمبدعين- من جوائز وحوافز وميداليات وأوسمة..

وفيه إطلاق لسراح المبدع من أسر ثقافة الجوائز الواهنة، إلى ثقافة الإبداع الذاتي الحر، المنطلق من حاجة المجتمع، ومن قيمه وآدابه في نفس الوقت.. فتتكامل حينها الخلفية الثقافية "للمجتمع" مع حاجته لمبدعين "يؤدون أدوارهم بإبداعية"- يحفظون ما تبقى من ماء وجهه المهراق بالتسول على موائد "اللئام" في عالمي الفكر والحضارة..

بتنميتنا للمبدع، ينمو الإبداع بالضرورة، وعندما ينمو الإبداع المرتكز على نمو الإنسان؛ تتطور حياتنا بتوازن، وتنمو بتكامل.