شعار قسم مدونات

بلاطجة اليمن.. يغتالون الكلمة

blogs - صحفيو اليمن
توقفت أمام ورقة خريف تهاوت من غصن شجرة مهترئة عفا عليها الزمن، تقاذفتها ريح عاتية عن ناظري، قبل حلول فصل الشتاء".. فبدأ " العم عيسى حديثه "هكذا حال الصحفي اليمني، يستطيع أيّ فرد إخلال توازنه والإيقاع به أرضاً كتلك الورقة الصفراء، أو كحشرجة أخيرة تشقّ طريقها إلى مثواها الأخير، مِن "فيه" المدخن، فكيف إذا هبت عاصفة، تجتاح استقرار وجدان حياته؟" ما تفضل به لسانه، جعل خُلدي يُحلّق خارج جدران الحديقة المتواجد فيها، لأسرح بعيداً غير مستمع لبقية تمتمته.. متذكراً حال ما حدث لكثير من الزملاء الصحفيين -على سبيل المثال لا الحصر- الاستقصائي محمد عبده العبسي، الذي تلاشى من الوجود في ثوان، وظلّ القلب مفجوعاً لفراقه، العبسي الذيّ طالما يقول "أنّ مظهري حضرمي، حاشدي القلب" أيّ أستطيع أخذ حقي بالقوة مِنّ فكيّ الأسد، جعلني أتساءل "هل أستطيع دخول صنعاء بعد فراقه؟".

 

في اليمن، أنّ تختار درب المتاعب والمصاعب، على التطبيل والراحة، عليك الاستعداد لكُلّ الاحتمالات التي ستواجهك فيّ درب الموت -ولا أعلم كيف أضفت سِين الاحتمالية في الفقرة- جلّ ما عليك فعله، الاستعداد لِضمّ وحضن وتقبيل رأس والديك قبل مغادرتك عتبة منزلك كُلّ يوم، لعلّه يكون لقاءك الأخير بهم، فِيّ دولة هيمن فيها السلاح على القلم، والصورة على الخبر، وبات الصحفي منزوياً بين أربعة جدران، محروماً من خبز وقهوة أمه وكمّ يشتاق لذلك، فما أرق الموت عنّ الغربة وشدّ الرحال عنهما.

 

انقضت سنة كبيسة بأيامها المعدودة، و(ظلّت) فواجعها ومآسيها مترسخة لم تتزحزح قيد أنملة من عقلي، وظلت تراودني مواقفها باستمرار، كحال الاجتماعات المغلقة، التي تُعقد لإيجاد حلول لحماية الصحفيين دون أيّ نتائج تذكر كالعادة.

حديث "عيسى" جعلني أتذكر مهاتفته -قبل نحو عامين- التي بدأها بالقول "إنهم يغتالون الأفكار يا ابني، فِيّ مُحاولة لتقييد حرية الرأي وتكميم أفواهكم وسبر أغواركم، حسب نزواتهم وأهوائهم الطائفية.. "، جاء ذلك عِندما كتبت خبرا ساخرا في موقع نجم المكلا الإخباري، بعنوان "سرقة البنك المركزي بالمكلا..  تستعد لدخول موسوعة جينيس كأطول سرقة في العالم" تزامناً بعد يوم من سيطرة تنظيم القاعدة على ساحل حضرموت شرق اليمن في الثاني من أبريل 2015م وفرضوا ضغوطات كثيرة على الصحفيين الحضارم المتمردين بحبر أفكارهم.

 

استحضرت الحادثة عندما طالعت إحصائيات جديدة نشرها الاتحاد الدولي للصحفيين، عن مقتل 93 صحفياً وإعلامياً في 2016م على مستوى العالم، إذ تحتل اليمن المركز الرابع برصيد 8 نقاط من الزملاء الصحفيين والعاملين الإعلاميين، الذين لقوا حتفهم وفاضت أرواحهم إلى بارئها بدم بارد في الاضطرابات السياسية، والصراعات الطائفية التي لا ناقة لهم فيها ولا جمل، دون أن تشفع مهنتهم لمصيرهم المحتوم أو إخفائهم قسراً والزجّ بهم من قبل المختطفين في أربعة جدران كتفكيرهم المحدود، في أقل سيناريو يتوقعه ممارسو السلطة الرابعة، وكأن إيماننا بالمهنة جعلنا نتهاون في دروب الموت ؟ وما أشدّ تهاونهم بأرواحنا، ورهبتهم من أقلامنا.

 

انقضت سنة كبيسة بأيامها المعدودة، وظلّت فواجعها ومآسيها مترسخة لم تتزحزح قيد أنملة من عقلي، وظلت تراودني مواقفها باستمرار، كحال الاجتماعات المغلقة، التي تُعقد لإيجاد حلول لحماية الصحفيين دون أيّ نتائج تذكر كالعادة.

 

قرأت ذات يوم أن "الكلمة الصادقة.. لا تموت" فافترشت الأرض ضاحكاً من هول الجملة، متذكراً ما حدث في اليمن من توقف بعض الزملاء عن حمل القلم، ولم تشفع مهنتهم الجديدة بعيداً عن الصحافة لحمايتهم، لينجوا من الاختفاء كحال الزميل الصحفي "تيسير السامعي" في تعز اليمن من قبل مليشيات الحوثيين مطلع العام الجديد، ليجعلني بذلك أتذكر شخصية الكاتب "شيوش" الذي عزف عن الكتابة وبدأ يجمع القمامة من الشوارع بعيداً عن حلمه في رواية "حب وقمامة" ويبدو أنّه لا خيار آخر أمامنا.

 

كصحفي مارست المهنة نحو ثمانية أعوام، توقفت أناملي عنّ التساؤل في جدران صفحات التواصل الاجتماعي أثناء طيّ العام الفائت " كيف تقييمكم أيها الجمهور لعملي خلال هذا العام؟ " فلمّ أتفضلّ يوماً بالكتابة، طمعاً لنيل رضائهم، بل أطلقت ضربات أفكاري طواعية القرار مصوباً نحو هدفي، غير آبه لرجوع صدى الضربة في أي زاوية ولو كانت باتجاهي، جاعلاً من حديث والدي القدير "أبي شيماء"، القاعدة الرئيسية في عملي إذ قال:" قُلّ الحق ولو كان على حساب روحك" منتظراً بفارغ الصبر أنّ تستقر روحي التائهة عند بارئها، وما أجمل لقاء الأحباب.