شعار قسم مدونات

انخفضنا يا عرب فمن يؤنس وحشة لبنان؟!

blogs - lebanon camp
مثلما تُقاس الشعوب بوعيها، فإن الحكومات المحترمة أصبحت تقاس اليوم بمدى استيفائها لمعايير التنافسية العالمية.

ولكن كيف لشعوب أن ترتقي بوعيها دون أن تكون على دراية بأداء حكوماتها، أصبحت مقاييس التنافسية العالمية في الفترة الأخيرة معياراً لأداء الحكومات ومعياراً لوعي الشعوب في ذات الوقت لأن توعية الشعوب بنتائج أداء حكوماتها يزيد من فرص العيش الكريم في البلدان المتنافسة من خلال التدافع بالمشاركة الفاعلة التي تقود إليها المعلومة المتجردة البعيدة عن وهم الموازنات التي تؤدي أحياناً كثيرة إلى حجب المعلومة تماماً أو إيصالها ناقصة أو مغلوطة،  أو لربما كانت موظفة توظيفاً غير قيمي، مما يستحيل معه تطوير الخدمات التي تلامس حياة الناس اليومية.

تعددت مقاييس التنافسية تبعاً لتعدد مناحي الحياة، نعرف مقاييس الأداء التربوي في المدارس والاعتماد الأكاديمي في الجامعات، والمقاييس التنافسية المتصلة بالاقتصاد أو المسؤلية الاجتماعية، المشاركة البرلمانية، السلامة والبئية أو الصحة والأوبئة، أو الشفافية والنزاهة، والأمن أو المحاسبية، والفعالية والإنجاز أو حقوق الانسان أو حرية الإعلام.

كثير من المحللين يفسر التقدم الاقتصادي الآسيوي بالتقدم المعرفي والتميز في أداء المؤسسات التعليمية والتربوية.

تبرز حيال كل هذه المقاييس مسؤليتان إحداهما خاصة تقع على عاتق المختصين بتقديم ونشر نتائج المنافسات في مجال اهتمامهم، ومسؤلية عامة تلزم جميع المطلعين على النتائج عموماً بإشراك الآخرين في مناقشتها والاستفادة منها بكل وسيلة ممكنة.

إذا أخذنا واحداً من مقاييس التنافسية لندلل على غيابه في العالم العربي، فلن نتردد في أن يكون عن الأداء التعليمي التربوي. لأن المعرفة ظلت هي حجر الزاوية الغائب عن كل زاوية في عالمنا العربي. لدى المهتمين بالمجال التعليمي هذه الأيّام استنفاراً فوق العادة حول (الاختبارات الدولية في التعليم العام) التي تسمّى"‪TIMSS‬".

هذا الاستنفار ليس لدى المهتمين بالتربية فحسب ، ففي أمريكا مثلاً نشرت الواشطن بوست أخيراً أكثر من عشر مقالات عن الموضوع، وكذلك تحدثت نيويورك تايمز عن ماذا يتعلم الأمريكان من مدارس الدول الذكية، وبوسطن قلوب وغيرها من كبريات الصحف الأمريكية وفي التايمز اللندنية والتيلغراف والإندبندنت مقالات تناولت هذه الاختبارات أيضاً، بل حتى البنك الدولي نشر في أحد الأسابيع الماضية مقالاً عن نتائج  الاختبارات الدولية أما الصحف والمجلات والمواقع التربوية فهذا الموضوع هو حديث الساعة ويتم تناوله بشكل يومي تقريباً.

إن "‪"TIMSS‬ هو منافسة دولية بين أكثر من ستمائة ألف طالب وطالبة من التعليم العام من سبعين دولة حول العالم، في معايير العلوم والرياضيات ، تعقد كل أربع سنوات هدفها قياس تقدم التعليم، وتستخدم نتائجها كأدلة وشواهد دولية محايدة على أداء الطلاب وفعالية أنظمة الدول المشاركة التعليمية وجودتها، كما تستخدم مخرجاتها أيضاً لتناول قضايا لا حصر لها فاقت حتى توقعات وطموحات مطلقي المبادرة أنفسهم، فنتائجه الأولية تصنف دول العالم في قائمة واحدة تأتي أولاً الدول التي يحصل طلابها على نتائج أعلى في هذه الاختبارات ، كما تحدد موقع كل دولة مشاركة على قائمة المعايير التي يلزم الطلاب معرفتها أو القدرة على القيام بها، ثم يعكف الخبراء على تحليل البيانات وكتابة التقارير في قراءة مستفيضة لاستخلاص النتائج والنظر في إمكانية توظيفها في التحسين والتطوير المستمر لجميع جوانب التربية والتعليم بل وللحياة عموماً.

انطلقت هذه المبادرة في 1958 وما زالت دول العالم تلتحق بها حتى اليوم ، فعلى سبيل المثال في 2007 شاركت لأول مره دول عربية وخليجية . وآخر اختبار انعقد في 2015 وقد نُشرت جميع بياناته وهو متاح للعموم و مجاناً، والتطبيق القادم سيكون بمشيئة الله في عام 2019 ، ولربما هذا يفسر جزءاً من الاهتمام الكبير بالاختبارات الدولية  في هذا الوقت  وبخاصة بعد صدور النتائج والبيانات، كما أن هذا الاهتمام أشبه ما يكون بالإحماءات والاستعدادات التي تقوم بها الأندية وتسبق انطلاق الأولمبياد والمنافسات الرياضية، على الرغم من أن بعض الدول بدأت من وقت مبكر جداً ليس فقط بعد انتهاء دورة الاختبارات السابقة في عام 2015 أو حتى  2011 فدولة كسنغافورة تتربع على أعلى هرم هذا الاختبار لعقود قد بنت استراتيجية طويلة الأمد حيث ضمنت مناهجها معايير الاختبارات الدولية لتتناقله الأجيال جيلا بعد جيل.

كما يجيئ الاهتمام بهذا النوع من التنافسية في زمن حصدت فيه بعض دول شرق آسيا الرتب المتقدمة من الاختبارات ولا ينافسهم فيها أحد، ما جعل كثير من المحللين يفسر التقدم الاقتصادي الآسيوي بالتقدم المعرفي والتميز في أداء المؤسسات التعليمية والتربوية.

المؤسف في الأمر يا سادة المشاركات العربية الخجولة في هذه الاختبارات الدولية، هل تعلمون أن الدولة العربية الوحيدة المشاركة في‪ "TIMSS" ‬المرحلة الثانوية في الرياضيات والفيزياء هي الجمهورية اللبنانية فقط لا غير. أما جميع الدول العربية الأخرى فمشاركتهم مقتصرة على المراحل الدنيا وهما الصف الرابع من المرحلة الابتدائية والصف الثامن من المرحلة المتوسطة فقط. ولبنان تحتاج إلى من يؤنس وحشتها من أخواتها من الدول العربية، والباب مفتوح والمشاركة مرحبٌ بها من قبل الجهة المنظمة للاختبار.

جدير بنا التفكير في مبادرات تنطلق من الوطن العربي للتنافسية في شتى المعارف والعلوم، مع التركيز على خصوصية الثقافة الإسلامية واللغة العربية والتاريخ.

أمر آخر ملفت للنظر في مقارنة سريعة بين نتائج اختبار 2011 ونتائج الاختبار الأخير 2015 وتحت مؤشر الدول التي انخفض مستواها تصل نسبة الدول العربية التي انخفض مستواها في الرياضيات في الصف الرابع ٤٠ في المئة‏ والرياضيات الصف الثامن ٧٥ في المئة، أما الدول العربية التي انخفض مستواها في العلوم الصف الرابع ٣٠ في المئة‏ والعلوم الصف الثامن ٥٠ في المئة من بين دول العالم. هذا تراجع موجع وجدير بنا أن نتسائل عن سبب انخفاض مستوى الدول العربية (ليس منها أيّاً من دول الربيع العربي).

هذه المبادرة الملهمة تبنتها منظمة غير ربحية انطلقت في عام 1958، وأُطلقت أول نسخة من‪ TIMSS ‬في عام 1995، فجدير بنا التفكير في مبادرات مماثلة تنطلق من الوطن العربي للتنافسية في شتى المعارف والعلوم، مع التركيز على خصوصية الثقافة الإسلامية واللغة العربية والتاريخ.

اقتراح هذه المبادرة يأتي رداً على بعض مناقشي النتائج والتقارير  من جهلة  تاريخ العرب والمسلمين افتراءاً على الله وعلى عباده، فقد عزا بعضهم تدني نتائج الدول العربية في الاختبارات الدولية إلى ارتباطها بالإسلام أو الثقافة العربية كزواج الأقارب الذي ينتج عنه كما زعموا جيل محدود القدرات الذهنية، وهذا ما يدفع للتفاني في التوعية بهذا الاختبار ورفع دافعية الطلاب والأسر والمعلمين ومديري المدارس وتحفيزهم للاهتمام به وأخذه على محمل الجد، ودعمه بالميزانيات الوافية، ومكافأة المتميزين فيه، خصوصاً أن النسخ القادمة من الاختبار ستكون إلكترونية، وهذا يعني أن الطالب سيحتاج إلى التمكن من قدرتين معاً:  الإجابة عن المعلومات التخصصية وإجادة استخدام الحاسوب بجدارة.

نتائج هذا الاختبار الدولي وافرة ومتوفرة، وبإمكانك أن تستقي منها ما تشاء، وهي جديرة بأن يستثمرها الباحثون وطلاب الجامعات ومراكز الأبحاث في توسيع المدارك وزيادة المعارف.