شعار قسم مدونات

المهندس رقم (1) يحيى عياش

A Palestinian paints a picture of late Hamas bomb maker Yahya Ayyash during a Hamas rally in Khan Younis in the southern Gaza Strip January 7, 2016. The rally, organized by Hamas movement, was held to honor the families of dead Hamas militants, who Hamas's armed wing said participated in imprisoning Israeli soldier Gilad Shalit, organizers said. Shalt was abducted by militants in a cross-border raid in 2006, and was released in exchange for more than 1,000 Palestinians held in Israeli jails. REUTERS/Mohammed Salem FOR EDITORIAL USE ONLY. NO RESALES. NO ARCHIVE.

أذكر ذلك اليوم جيداً كنت في الثامنة من عمري، يوم أن مررت بجنازة لم أر أولها من آخرها خرجت كل غزة، أُغلقت الأسواق طوعاً ونُكِّست الأعلام حزناً وبكت القلوب ألماً وسالت العيون دمعاً، الكل سار في جنازة يحيى غير مصدقين بأن شمس البطل قد أفلت وليس لها في الغد شروق، وليس لها في الغد خبر عاجل يُنبئ بعملية استشهادية تحمل بصمات المهندس تفرح قلوب قوم مؤمنين.
 

لم أر حزناً مر على شعبي مثله، فكانوا مثل من فقد سنده وظهره وأمله، الكل أحب يحيى مجاهداً ومقاتلاً، أحبوه إنساناً وداعية، أحبوه عالماً ومتعلماً، أحبوه هاجساً ورعباً لعدوهم، كم انحبست الدموع والعبرات وهتفت كل الألسن من عمق باطنها ثقة ويقيناً: الانتقام الانتقام يا كتائب القسام، هذا ما استطاعوا أن يطلبوه من رفاق يحيى وأمثاله من بعده.. ولنبدأ الحكاية بومضاتٍ عن أبي البراء نهجة ومنهجية، علنا نوفيه حقه..
 

من أهم مقومات استرداد الحرية وتحرير البلاد هو خلق بيئة مهيئة وملائمة لتحمل تبعات وتكاليف هذا الهدف وإيجاد جيل رصين يحفظ هذه المكتسبات ويترجمها إلى أفعال.

احتار قلمي من أين يبدأ بالكتابة عن هذا الرجل الذي أحبه الله ونثر محبته وشيعها في خلقه، وتساءلت كيف لهذه التدوينة أن تكتب عن هذا الرجل صاحب مرحلة من أعظم مراحل تاريخ المقاومة الفلسطينية، وقد فاضت المواقع والكتب والصحف سيراً وقصصاً وحوارات عنه فكيف لنا أن نختصر وكل سيرته عزةً وعلواً وفخراً وبطولةً لا تُختصر، لكن عزمت ألا أقف على الأطلال لأرثي الديار وأصحابها بل كيف نُعدّ بيئة حاضنة لمشروع يحيى ونصنع جيلاً يحفظ ارثه ويقتفي أثره.
 

كيف تشكل يحيى؟
بعد عام من مولد يحيى كانت النكسة العربية 1967م بهزيمة نكراء احتلت فيها قرية يحيى "رافات" وباقي فلسطين، نمى يحيى وترعرع في قريته وهو يرى ظلم المستوطنين وتجبرهم وكذلك أوهام القومية العربية بتحرير فلسطين، من هذه الحالة التي يئس فيها الفلسطينيون من العرب ومشاريعهم ووعودهم بالتحرير والنصرة، عاد المسجد ليكون نواة يتشكل منها الفكر وتبنى فيه الشخصية وكان مرتع يحيى بين المحراب والكتاب، لتصقل شخصيته على تراتيل القرآن ويصدح في أذنيه دوماً "وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة.." ليقرأها تلاوة وفهماً وعملا وجهاداً، ويبدأ بالتفكير الإبداعي في كيفية مواجهة المحتل والرد على مجازره وظلمه.
 

فترجم دراسته في الهندسة الإلكترونية وشغفه في الكيمياء إلى مواد متفجرة وأحزمة ناسفة وعبوات وقنابل، لتدخل المقاومة الفلسطينية في مرحلة جديدة، مرحلة الفلسطيني الجديد، لا الذي أرادوه من أوسلو ولكن الفلسطيني الذي خرج من المسجد بيت الحكمة والعلم والقوة ليعلن عن إرادة فلسطينية جديدة تدير المعركة على أصولها ومبادئها وتؤلم اليهود وتشق طريقا وأملاً نحو العودة والتحرير.. لتتشكل في الضفة الغربية وقطاع غزة بيئة جديدة حاضنة للمقاومة، تحمي المقاتلين وتؤويهم وتصنع من فتية اليوم رجال المستقبل.
 

هذه البيئة التي ظهرت بشكل جديد في الانتفاضة الأولى 1987م صدمت العدو وحلفائه فبعد عقود على احتلال فلسطين ظنوا أن الكبار ماتوا والصغار نسوا كما حدثهم بن غوريون، ولكن تفاجأوا اليوم بجيل المهندس يكمل من بعده بصواريخ وأنفاق وطائرات، يقول اثنان من المستشرقين اليهود (د. سيلع ود. شتاينبرغ) في حوار إذاعي إبان استشهاد المهندس "إن المشكلة في البيئة العقائدية الأصولية التي يتنفس -المهندس- من رئتها هي التي تبدع وتفرز ظاهرة المهندس، وظاهرة الرجال المستعدين للموت في سبيل عقيدتهم".

تنقل أبو البراء بين الضفة الغربية وغزة وما وجد إلا وحضن شعبه يتسع له دوماً ويزداد له سندا وحباً وعشقاً، قام بأهم خطوة عملية في إدارة المقاومة وهي صناعة الرجال وبناء عمل مقاوم مؤسساتي فدرب الكثير في الضفة الغربية وقطاع غزة وفتح الآفاق بالبحث والتطوير ووضع كل ما يملك من علم ومهارة أمام اخوانه، حتى إذا ما قضى نحبه استمرت المسيرة وبشكل أقوى وهذا ما حدث.
 

إعداد بيئة حاضنة للمقاومة
إن من أهم مقومات استرداد الحرية وتحرير البلاد من الاستعمار والاستعباد هو خلق بيئة مهيئة وملائمة لتحمل تبعات وتكاليف هذا الهدف وإيجاد جيل رصين يحفظ هذه المكتسبات ويترجمها إلى خطط ومشاريع وأفعال، والبيئة التي تم تشكيلها إبان انتفاضة الحجارة 1987م التي أنجبت يحيى عياش وأمثاله لهي مكتسب عظيم للشعب الفلسطيني، لابد من الحفاظ على ديمومته واستمراريته بكل ما أوتينا من قوة وأي منعطف أو هوة يقع فيها هذا المكتسب لابد من التكاتف لترميمه واستعادته.
 

المهندس "يحيى عياش" لن يعود بالتمجيد وإحياء الذكريات والاحتفالات خديجة الفعاليات، سيعود لنا ألف يحيى إذا هيأنا بيئة صالحة لذلك.

لذلك نجد أن هذه البيئة ومرافقها قد تم استهدافها بمؤامرات دولية، فنجحت في فصولها الأولى في مكان وفشلت في آخر، فنجد قطاع غزة أضحى أقوى وأصلب من ذي قبل، بل ارتقى ليصبح نقطة انطلاق وتأثير وإلهام، أما الضفة الغربية فقد استهدفت ببشاعة وتآمر عليها القريب قبل البعيد، لما تمثله من عمق استراتيجي للمقاومة، حتى غدت مرتعاً للتنسيق الأمني "العمالة والخيانة" بين السلطة وقوات الاحتلال، وتم إدخال أفكار جديدة وغزواً ثقافياً وفكرياً واقتصادياً واجتماعياً، حتى بتنا نرى السهرات الغنائية والمراقص والكازينوهات تعقد على الملأ وفي الأماكن العامة، وأصبحت الضفة ممراً سهلاً لجنود الاحتلال الصهيوني ومستوطنيه يدخلوا متى شاءوا وكأن الفلسطيني هناك أصبح قابلاً للاستحذاء والاستعمار..!

إعادة المهندس
ولكي نعيد المهندس هناك لابد من يقظة وهمة وإعلان حالة من الثورة على النفس التي رضيت الضيم والهوان، لابد للمسجد أن يعود ويصدح: حي على الفلاح.. حي على الجهاد، وللمدرسة أن يعلو صوتها بنشيد موطني موطني، والجامعات أن تنتفض بثورة في العلوم والثقافة والأخلاق لتنجب لنا ألف مهندس مثل يحيى، وآن للشعب أن يضع حداً لسلطته الحاكمة ويصرخ كفى للذل والهوان نعم للثورة على الطغيان، ويحكم طوقاً عليها إما أن تعودي لحضن الشعب أو للمهالك فلتردي.
 

ولابد من جهد إجماعي تلتقي فيها العشيرة والتنظيم في القرية والمدينة، ويتكاتف الجيران هناك في الحدود الأردنية لبناء ساعد قوي في الضفة الغربية وإعداد جيل يعرف ربه ودينه ووطنه وكذلك عدوه.
 

فالمهندس لن يعود بالتمجيد وإحياء الذكريات والاحتفالات خديجة الفعاليات، سيعود لنا ألف يحيى إذا هيأنا بيئة صالحة لذلك، ولفظ الفلسطيني غبار الاستعمار والهوان واستعلى على الطواغيت وثار عليهم وتكفل بذلك ثلة من القيادة الميدانية الواعية المجازفة بحكمة، لتحضن هذا الوعاء الثوري في الضفة الغربية وتطوره حتى يتلاحم مع قطاع غزة ومخيمات اللجوء في الحدود المجاورة، ثم يكون قوة واحدة نحو مشروع تحرير فلسطين بإذن الله تعالى.