شعار قسم مدونات

الإلهام والمستلهمون

blogs- الإلهام

خلف كل جمال يختبئ ملهمٌ عظيم، لا حظّ له من الإطراء، ولا تبلغه المدائح
هناك قصائد فائقة السبك، مخمليّة الحرف، تأسرنا بعذوبتها على مر السنين، نقرأها فنُغدق الشاعر بوابل من الثناء، ونُهمل الملهم الذي رافق الشاعر في مسودته، ربما غادة هيفاء، أو روضة غنّاء، وربما جرح سال منه الدم والعطر معاً.
 

وأمام لوحات رسام عظيم تقف مبهوراً، تحفر في مكنونها، تسبر أغوارها، وربما طرتَ بعيداً مع سرب المعجبين، وكِلْت له وزنَ ذهبٍ ثناءً، لكن لو عدتَ للوراء، لزمن المخاض، عند ولادة هذا الإبداع، تجد معه رفيقاً آخر، اقتبس جذوة من ناره المتأججة، أو استقى فكرة من بئره العذب، أو ارتعى في كلئه الخصب، فكان معينا له في تخليد الجمال.
 

حين برأ الله الخلق، ميّز ابن آدم بالعقل، ووهبه مادة عزيزة، بها يسمو في فضاءات التألق، ويمتطي جواد الرقي، فإن أهملها فماذا يكون؟!

هذا الرفيق الملهم الذي أتحدث ليس بالضرورة أن يكون شخصاً؛ فالحزن إلهام، والفرح إلهام، والفقد إلهام، والوحدة إلهام، والطبيعة إلهام، والقراءة إلهام، والتأمل إلهام، والتاريخ إلهام، والحيرة إلهام، ولا إحصاء للملهمين، كما أنه لا نصيب لهم في النقش والتدوين. لعل مقام الملهم مقدس، لا يدنس نفسه بالهبوط إلى حفنة من الأوراق تعتريها عوامل البِلى، وتتعرض لزوابع الرياح!
 

الملهم كوميض برق، لا تلحق به كل عين، وكل عين لحقته لا تشبع منه، بينما الإبداع المتولد منه كالمطر، يحس به القاصي والداني، يعيشه الحاضر والباد، يحتفي به الصغير والكبير، لكن المطر يسبقه برقٌ يغطي الأفق بسناه، لا بلحظه إلا القليل.
 

إن يومياتنا مليئة بالإشراقات الملهمة، تمد إلينا يدها، تتسلل من نوافذنا، تريد من يتتبعها، ويجعل من الثقب الصغير بابا عملاقا، ومن الخيط الرقيق طوقَ نجاة، لكن ما يحول بيننا وبينها هي الألفة للأشياء والأحداث، معايشتها كالمعتاد، نبصرها بعينٍ الخمول واللامبالاة، فنجردها من معاني الدهشة والذهول، ويختفي وميض الإلهام كأن لم يكن.
 

لا جدوى من الإلهام إن قلّ المستلهمون، ولا استلهام بلا إعمال العقل، وصدق الفاروق -رضي الله عنه- حين قال: "من لم ينفعه ظنه (حدسه)، لم تنفعه عينه"، وكأني بالعقل يركل من يحمله عبثاً؛ قد حبسه في قفص الجمود والخمول، وقصّ عنه أجنحة التأمل، وأعاقه عن اقتفاء غذائه في الغدو والرواح.
 

إن انتزاع فكرة ما من وهج الإلهام والتأمل كفيل بتغيير مجرى التاريخ، منحنى حضارة بأكملها، وكل منجز علمي نعيشه الآن، كانت ومضة عابرة، لكنها حظيت بعقل قدّاح، وقلب جسور، ونفس تهوى الجديد، وكما قال راي برادبيري ذات مرة: "إن التاريخ البشري برمته عبارة عن حل مشكلات أو خيال علمي يبتلع الأفكار، يهضمها، يطرح صيغاً للنجاة".
 

حين برأ الله الخلق، ميّز ابن آدم بالعقل، ووهبه مادة عزيزة، بها يسمو في فضاءات التألق، ويمتطي جواد الرقي، فإن أهملها فماذا يكون؟! وصلت للنهاية، ولم أذكر من ألهمني هذه السطور. ألم أقل بأن الملهمين لا نصيب لهم من الإطراء والتدوين؟!